أكد أستاذ الإعلام والاتصال والباحث في التخطيط الاستراتيجي للمحتوى د. رياض بن ناصر الفريجي أن التحولات التقنية المتسارعة في صناعة الإعلام تدفع السوق إلى مرحلة جديدة، تصبح فيها وفرة المحتوى تحدياً بقدر ما تمثل فرصة، في ظل قدرة الأفراد والمؤسسات على إنتاج كميات متزايدة من النصوص والصور ومقاطع الفيديو خلال وقت أقصر وبموارد أقل. وأوضح الفريجي أن السؤال الذي سيواجه المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج خلال المرحلة المقبلة سيتحول تدريجياً من: كيف ننتج المحتوى؟ إلى: كيف نجعل هذا المحتوى جديراً بانتباه الجمهور؟ وقال: "حين تتسع القدرة على الإنتاج، يصبح الانتباه مورداً أكثر ندرة. ويمكن إنتاج مئات الرسائل، لكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما يختار الجمهور رسالة من بينها، ويتفاعل معها، ويتذكرها، ثم تتشكل لديه معرفة أو موقف أو سلوك نتيجة لها". وأشار إلى أن هذا التحول يعيد الاعتبار إلى التخطيط الاستراتيجي للمحتوى، وفهم الجمهور، وتحليل احتياجاته، وتحديد القيمة التي سيحصل عليها من الرسالة؛ إذ ستتقارب أدوات الإنتاج بين المؤسسات بصورة أكبر، بينما ستتسع الفجوة بين من يستخدم التقنية لإنتاج المزيد، ومن يوظفها لصناعة محتوى أكثر ارتباطاً بالإنسان والسياق. ويرى الفريجي أن هذا المشهد يمنح نتائج دراسته للدكتوراه حول "التخطيط الاستراتيجي للمضمون المرئي والمسموع وعلاقته بالقوى التنافسية لدى شركات الإنتاج الإعلامي السعودية" امتداداً جديداً؛ إذ خلصت الدراسة، التي شملت 50 من قيادات شركات الإنتاج الإعلامي و400 من المتعاملين معها، إلى وجود علاقة بين جودة التخطيط الاستراتيجي وبناء القوى التنافسية للمنتج الإعلامي. وأضاف: "عندما أجريت الدراسة كان السؤال الرئيس يدور حول أثر التخطيط في تنافسية شركات الإنتاج، واليوم تضيف التحولات التقنية سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف تحافظ المؤسسة على قدرتها التنافسية عندما تصبح أدوات الإنتاج متاحة للجميع تقريباً؟". وأشار إلى أن الإجابة تتجه نحو بناء منظومة متكاملة تبدأ قبل الإنتاج؛ من البحث وقراءة الجمهور وتحليل البيئة، مروراً بصناعة الفكرة واختيار الرسالة، ووصولاً إلى قياس الاستجابة والتعلم منها وتطوير المنتج الإعلامي بصورة مستمرة. وأكد أن الذكاء الاصطناعي سيمنح المؤسسات قدرات أكبر في الإنتاج والتحليل والتخصيص، لكنه سيجعل القيمة الاتصالية أكثر أهمية؛ لأن زيادة عدد الرسائل ترفع حاجة الجمهور إلى الاختيار، وتضع المؤسسات أمام مسؤولية أكبر في تقديم محتوى يستحق وقته وانتباهه. واختتم الفريجي بقوله: "المنافسة القادمة في صناعة المحتوى لن تكون على من ينتج أكثر، وإنما على من يفهم جمهوره أعمق، ويصنع فكرة أجدر بالانتباه، ويحول هذا الانتباه إلى قيمة وأثر".