الـشــاعــر.. أول دارة إعــلامـيــة

عند التأمل في ما يُشكِّل أركان الثقافة العربية، وما حفظ أحداثها وسردياتها، وصوَّر مشاهد الحياة في الأزمنة الماضية، وعبَّر عن مشاعر إنسان الجزيرة، وعن ماهية الأشياء التي استثارت وجدانه، وعن كيفية تشكُّل الرأي العام وتأثيره في الجمهور، وعن الآليات التي صاغت الانطباعات الجمعية ورسَّخت الصور الذهنية تجاه الأشخاص والأحداث، يبرز الشعر، بمختلف عصوره؛ من الجاهلية إلى صدر الإسلام وما تلاهما، ركنًا مكينًا حفظ جانبًا عظيمًا من تاريخنا، وأسهم في إثراء لغتنا، وكشف لنا عن أساليب البلاغة، ودقة المفردة العربية، وثرائها الوصفي وقدرتها على تغيير مجريات الأحداث والأمور. ولا شك أن الشعر أدى بطرق مباشرة إلى تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة السمعة، وتوجيه الرأي العام؛ وهي في مجملها وظائف تؤديها اليوم دارات الإعلام الكبرى. حيث كان الشعر في دَهْماءِ الجزيرة وفَيَافِيها أشبه بالمؤسسات الإعلاميةً المتكاملة، يتولى الشاعر فيها -بمجهود فردي- صياغة الرسائل والمنشورات؛ فيهجو، أو يمدح، أو ينتقد، أو يعزز موقفًا بعينه، فتنتشر قصائده على الألسن انتشار الخبر الموثوق، حتى تغدو في الوعي الجمعي حقائق مستقرة، ومرجعًا تستند إليه الجماهير في عصره، ثم تتناقلها الأجيال اللاحقة بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية والتاريخية. ونستطيع الاستدلال على هذا المعنى بإحدى قصص تراثنا الثرية، وهي قصة بني أنف الناقة. فقد كان هذا اللقب مدعاةً للسخرية والانتقاص، حيث يؤكد الدكتور جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام أنهم: «كانوا يُعَيَّرون به ويغضبون منه، حتى إن الرجل منهم كان إذا سئل: ممن أنت؟ قال: من بني قريع، فيتجاوز جعفرًا أنف الناقة...»، وظل هذا التصور راسخًا في أذهان العرب، إلى أن جاء رجل واحد استطاع ببيت من الشعر أن يُحَلْحِلَ ما استعقد في أذهانهم، ويعيد توجيه الرأي العام، وذلك هو الحطيئة حين قال: قَوْمٌ هُمُ الأَنْفُ وَالأَذْنَابُ غَيْرُهُمُ وَمَنْ يُسَوِّي بِأَنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبَا فإذا بالاسم الذي كان يُوارَى ويُتحاشى يصبح وسامًا يُتفاخر به، ويعلِّق الدكتور جواد على ذلك بقوله: «فلما قال الحطيئة شعره صاروا يفخرون ويتباهون بأن يقال لهم: أنف الناقة»، ولعل هذا من أوضح الأمثلة على قدرة الشعر على صناعة الانطباع، أو ما يُعرف اليوم في علوم الاتصال بـ»إصلاح الصورة الذهنية» (Image Repair)، إذ استطاع بيت واحد أن يقلب دلالة لقبٍ اجتماعي من رمزٍ للانتقاص إلى عنوانٍ للفخر. وعند الحديث عن التصدي لحملات الخصوم، يتبدى اسم حسان بن ثابت رضي الله عنه، الذي ارتبط في أذهان كثيرين بشاعر المديح، بينما اضطلع في الحقيقة بدور إعلامي بالغ الأثر في الدفاع عن رسول الله ﷺ. فقد قال له النبي ﷺ: (اهْجُهُمْ، وَجِبْرِيلُ مَعَكَ)، وقال أيضًا: (اهْجُوا قُرَيْشًا؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْل). وبذلك أصبحت القصيدة وسيلةً لمواجهة دعاية أهل مكة، فيما يُعرف اليوم في علوم الإعلام والاتصال بـ»الدعاية المضادة» (Counter-Propaganda)، وكذلك إدارة السمعة (Reputation Management)، حيث قال: أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ وتبرز كذلك إحدى أكثر أدوات الشعر تأثيرًا، وهي سلطة التأطير (Framing)؛ حيث لا يقتصر دور القصيدة على نقل الحدث، وإنما ترسم الإطار الذي ينبغي أن يُفهم من خلاله أي حدث، أو معنى. ومن أبرز الشواهد على ذلك هجاء المتنبي لكافور الإخشيدي بعد خروجه من مصر، حيث هاجم شخص كافور، وصاغ صورةً ذهنيةً عن فساد أحواله وزمانه، فقال: نامَتْ نَوَاطِيرُ مِصْرٍ عَنْ ثَعَالِبِهَا فَقَدْ بَشِمْنَ وَمَا تَفْنَى الْعَنَاقِيدُ وغيرها من الأوصاف القاذعة واللاذعة، حيث أصبح اسم كافور في الذاكرة العربية مقترنًا بما رسمه المتنبي في هجائه أكثر مما يقترن بأي ذكرٍ إيجابي، وهو ما يكشف عن قدرة الشعر على تعبئة العقول وصناعة التصورات التي قد تمتد آثارها قرونًا. والاستشهادات التي تؤكد أن شعراء الجزيرة أدَّوا دور الدارات الإعلامية المتكاملة أكثر من أن تُحصى، غير أن ما يمكن استخلاصه هو أن الشعر استحق أن يكون ديوان العرب؛ لأنه حفظ تاريخهم، وشارك في صناعة الوعي الجمعي. فقد وثَّق الشاعر الحدث بعد وقوعه، أو كان في أحيانٍ كثيرة شريكًا في صناعته وتوجيه مساره، كما أسهم في بناء سمعة الأشخاص والقبائل والدول، حتى غدا في المجتمع العربي القديم أقرب إلى مؤسسة إعلامية متكاملة؛ يكتب الخبر، ويصنع الصورة الذهنية، ويقود الرأي العام.