الـذات الحقيـقـيـة والمـؤوّلــة

تعدّ معرفة «مفهوم الإنسان» من أهمّ المداخل لمعرفة فلسفة، أو دين، أو فكر، أو مجالٍ معرفيّ إنسانيّ ما. ولأهمية معرفة فكر «ميشيل فوكو» -بخلفية نقده الماركسي-؛ لهيمنته الكبيرة على كثير من الدراسات المتأثرة بنقده للرأسمالية، تحت تسميات «نقد الحداثة» -كما يحصل تحديداً مع وائل حلّاق-؛ فإن استعمال أداة «مفهوم الإنسان» للتعرف على فِكره بعد التحليل؛ مما يثمر رؤية دقيقة وشاملة لفكره، بغض النظر عن الموقف منها، وإنما لمعرفة كيف استخدمت أدواته وأفكاره. وقد تقدم في المقال السابق أنّ الذات عند فوكو بين وجوب وواقع، وأنّ وجوبها هو سعيها لكمالها من خلال ممارسات اختيارات دائمة، لا أن تُفرض عليها، فكل خطاب يوجّه إليها هو خاص بها لتحصيل كمالها «تذويت الخطاب»، وهذه الصورة كانت الأبرز في العصر الهيليني لا ما بعده، إذ حلّ محلّ حقيقة الذات مجازات عدّة ضاعت عن معرفة الذات لذاتها، دون إكراهات خارجيّة، كما يزعم فوكو. و»تذويت الخطاب» يُعنى بخطابات تمارس عملياً، وفق أقوال منتقاة بعناية، مدعوماً بمبدأ الزهد أو»تقنية الزهد»؛ وهو زهد فلسفي لا أفلاطوني أو مسيحي، يعني: الإعراض عمّا لا يساهم في كمال الذات، ويقوّي في الإنسان الاستعدادات، ويستخرج منه الممكنات الكامنة فيه لمواجهة الأحداث الخارجيّة، ومن ثمّ معرفة الذات من خلال العناية بها؛ فهذه حقيقة الذات -وجوبها-. أمّا مجازاتها -واقعها- تحت ما يسمّيه فوكو «تأويل الذات»؛ فهو عدد الرؤى والنماذج لرؤية الذات في الفكر الغربي. وأصل مبدأ «اعرف نفسك» الشائع هو: «العناية والاهتمام بالنفس» تطلباً لكمالها، إلا إن توارثه الفلسفي مع ما بعد السقراطية صنع عدّة حُجب بين «الذات» و»ذاتها»، وهي حُجب حدها الزمني: فيما قبل الميلاد في الزمن اليوناني حتى السقراطي، ومن القرن الثاني حتى الخامس في الزمن المسيحي، والزمن المعاصر «زمن الانتقالات التاريخية الفلسفية الغربية». وحدّها المكاني: العالم الغربيّ، وحدّها المعرفي: المجال الفلسفي والديني. فمبدأ مبدأ «اعرف نفسك» تقلّب وفق التحولات التاريخية منذ ظهوره، حسب كل نموذج زمني قُدّم للذات، إذ أصل «اعرف نفسك» مقترن بـ «اهتم بنفسك»، فالاهتمام بالنفس هو حقيقة النفس لا الاهتمام بظاهرها وما تملك، فـ»الاهتمام بالنفس» هو الإطار وأرضية «اعرف نفسك» أصالة. ومعرفة «الموقف» أو «الاتجاه» يحتاج قبله معرفة لـ «الإطار النظريّ»، و»الأفعال» أو «الممارسات»، لذا وضع فوكو «الاهتمام بالنفس» بعدّهِ الإطار لمعرفة الموقف الفلسفي، والممارسات هي ما سيذكره من «التربية الروحية» ونموذجها «سقراط» دون التأويل الأفلاطوني. أمّا النماذج «الواقعيّة» المقدّمة لتأويل الذات التي حجبت حقيقتها وفق المعنى السقراطيّ، ومن ثم التأثير على دلالة «اعرف نفسك»، فهي: النموذج الأفلاطوني وشرطه معرفيّ، وغايته التذكّر معرفياً، وعملياً من أجل المدينة، لأنّ ذاته محجوبة بالصور المشوهة، وعالمه غايته ميتافيزيقية، وعلاقته بالجسد: تخلص من الصور المشوهة، وفلسفته نظريّة ميتافيزيقية، ويتعامل مع الباطن النفسي العقليّ المتيافيزيقي، ووظيفته التذكّر، وخطابه ممنهج نظريّ، وهدفه التخلص من الصور المضللة. أما ذات النموذج المسيحيّ فشرطها ديني، وغايتها الحبّ، وهي عابرة من عالم مفارق، وعلاقتها بالجسد سلبيّة لسيطرة الشهوات، وتتعامل مع الباطن الروحي النفسي، وفلسفتها دينية تستخدم التقنيات الفلسفيّة، ووظيفتها التفسير، وخطابها وضعيّ، وهدفها التخلص من الشهوات. فعلاقة الأفلاطوني بالذات: الحجب، وعلاقة المسيحي بها: القطيعة. في حين النموذج الممثل لـ «الواجب» هو الهيليني: فشرطه تحوّلي نحو الذات، وغايته العمل لكمال الذات لمواجهة اختبارات الحياة، وذاته حقيقية «عقليّة»، وهي في العالم المحايث لكنها وفق مرتبة العقل الأكبر المحيط، وعلاقتها بالجسد إيجابيّة؛ تطويعاً له وإمراراً للفضائل من خلال «العناية بالنفس»، وفلسفته عمليّة تربويّة معدّة للحياة «فنّ-عيش الحياة». وعليه، فإنّ النموذجين: الفلسفي والمسيحي يحجبان النموذج الفلسفي الحقيقي وهو «النموذج الهيليني». فهذه بعض ملامح «الذات» أهم تشكيل للخطابات عند ميشيل فوكو، في لحظات واقعها أو في أصل واجبها. وعند استخدام أدواته، هل يدخل الشرط الأساسي عنده للخطاب الأخلاقي -وهو الذات- عند من يستخدمها، ويحكّمها، دون أصلها الذي ارتضاه فوكو؟ وإن نزعت الذات هذه من خطاب فوكو فهل يمكن أن يبقى لهيمنة وسلطة الخطابات أيّ قيمة؟ هذه إشارات لإشكالات كبرى عندما تجرّد الأدوات من مبادئ وشروط أساسيّة، مع عدم إحكام البناء الاستدلالي لاعتماد قوّته من صوريّته إن جاز الفعل!