«الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» عنوان كتاب ألّفته لطيفة الشعلان، وأضافت إليه عنوانًا فرعيًا: «المنطلقات الوجودية والسياقات التاريخية والاجتماعية لاقتحام المسجد الحرام (1979م)». صدر الكتاب عن دار جداول عام 2026م. وتنبع أهميته من تناوله سيرة قائد اقتحام الحرم عام 1979م، بما يجعله أقرب إلى التوثيق التاريخي والسياسي منه إلى الدراسة النفسية الخالصة؛ وهنا تكمن جاذبيته الأولى. ويجدر، بدءًا، شكر الكاتبة على لفت انتباهي إلى هذا المؤلَّف، وتقديرها على المغامرة في اختيار موضوعه، والجهد الكبير الذي بذلته في تتبّع مصادره، ثم التحليل المستفيض وفق منظورها وتخصصها العلمي. وأعتقد أنه ينطوي على سؤال معرفي مهم: هل يمكن دراسة الشخصيات التاريخية المثيرة للجدل، أو تحليلها، وفق منهج علم النفس الوجودي؟
وفي توضيح المنهج، تشير الكاتبة إلى أن «هذا الكتاب الأكاديمي هو محاولة لتفسير الجهيمانية المهدوية، استنادًا إلى إطار في علم النفس الوجودي وتحليل للسياقات التاريخية والاجتماعية»، ص12. ومن هنا يتضح أن الكاتبة قررت مسبقًا أن المرجعية المثلى – وفق وجهة نظرها – لقراءة فكر جهيمان هي «علم النفس الوجودي». وفي المقدمة استبعدت مناهج التحليل النفسي الأخرى بعبارات حاسمة، منها: «إن قسر الشخصيات واختزالها في قوالب التشخيص الإكلينيكي… مسلك يؤدي إلى ادعاءات عبثية…»، وأن «التحليل النفسي، رغم رواجه، عاجز عن تلبية أدنى شروط المنهج العلمي»، ص33.
لست متخصصًا في علم النفس، ولا أسعى إلى الدفاع عن مدرسة معرفية فيه ضد أخرى. لكنني أرى، في الوقت نفسه، أن الجزم بكمال هذه المدرسة وتفضيلها، مع إقصاء غيرها من دون توضيح مقارن معمّق، قد يعبّر عن انحياز علمي متشدد. وهذا ليس مسلكًا غريبًا في الوسط الأكاديمي؛ إذ إن أحد المآخذ على النخب الأكاديمية إفراطها في تقديس النظرية تقديسًا دوغمائيًا (Dogmatic).
يهمني الجانب الثقافي والسياسي، وأرى أن فكرة التحليل الوجودي، وفق ما عرضته المؤلفة، قدّمت إضافة في مجال تحليل الشخصية ومسببات خياراتها. ومع ذلك، يمكن القول إن تهرّب المؤلفة في البداية من التحليل الإكلينيكي، واعتباره أمرًا عبثيًا، لم يمنعها في النهاية من تشخيص دوافع جهيمان وحصرها، أو محاولة إقناعنا بأنها تنحصر في المهدوية. وهنا تطرأ أسئلة لا أملك إجابات عنها بقدر ما أطرحها على أهل الاختصاص في العلوم النفسية والسلوكية: أليس الأمر هنا تشخيصًا صارمًا أحادي النظرة؟ وهل قادت محاولة إثبات إيجابية التحليل الوجودي، بوعي أو من دون وعي، إلى إهمال تفاصيل جمّة، سواء في سيرة جهيمان أم في الظروف المحيطة بتطور حركته؟ وهل تكفي قراءة السلوك الإنساني من منطلق «خطي» أو «رأسي» يبدأ من مرحلة البلوغ، من دون التمعّن في التكوين الأولي، أو من دون قراءة المنطلقات المحيطة «الأفقية» في حياته؟
الكتاب، على الرغم من مكوناته ووقوعه في 342 صفحة، يضعك في مأزق عند محاولة قراءته؛ فمن ناحية، يدّعي أنه أكاديمي ويتبع نظرية نفسية محددة، وبالتالي عليك الابتعاد عن قراءته إن لم تكن من حزب «سارتر». ومن ناحية أخرى، هو كتاب ثقافي أو فكري أو تاريخي أو سياسي، سمّه ما شئت، ونحتاج إلى قراءته وفق هذا المنحى. وهنا تكمن الأزمة بين الكتابة الأكاديمية والكتابة الثقافية. فالكتابة الأكاديمية تشبه الكتابة المحلية في كونها موجّهة إلى فئة لديها خلفية عن الموضوع؛ وبالتالي لا يتطلب الأمر تقديم التفاصيل إلى قارئ من خارج تلك المجموعة المحلية أو الأكاديمية.
وبعيدًا عن التفاصيل، يُعد هذا الأمر أحد عيوب الكتابة لدينا، وهو ما يُبقيها في نطاق التداول المحلي فقط؛ إذ تكتب قصتك أو سرديتك لأناس يعرفونها، فتكون ممتعة لهم؛ لأنها تعزّز بعض المفاهيم لديهم أو تناقشها. لكنها تصبح، بالنسبة إلى القارئ من خارجها، سردية ناقصة، وربما متناقضة أحيانًا. وهذا كان ديدن الكتاب الذي بين أيدينا بصفة عامة؛ إذ كُتب لمجتمع أو قرّاء لديهم خلفية عن اقتحام المسجد الحرام أو عن جهيمان. ولا أدري: هل كان السبب وراء ذلك تكريس فكرة «النظرية الوجودية»، والقناعة بأنها لا تهتم بالظروف المحيطة و«الإيكوسيستم» الكامل للحدث، أم أنه كان محاولةً للمقاربة من خلال استعراض الأحداث من دون الولوج في قضايا شائكة سياسيًا قد تعرّض الكاتبة للخطر؟
وهذه ملحوظة لا تخص هذا الكتاب وحده؛ فقد لمستها، في حدود اطلاعي، في عدد من المؤلفات السعودية المعرفية والروائية: نكتب غالبًا لأنفسنا ولمن يعرفنا، لا لقارئ لا يعرف شيئًا عنا. فلو كنت قارئًا أمريكيًا أو أوروبيًا أو روسيًا أو غير ذلك، لوجدت في هذا الكتاب مصطلحات وتسميات غامضة لا تعين على فهم النص؛ لأنه يتجنب تعريف المصطلحات والتسميات وشرح سياقاتها السياسية والثقافية، ويتبنى رؤية أحادية من دون بيان نظري أو تطبيقي كافٍ يبررها. كما تبدو فيه تحيّزات مسبقة في مواضع عدة؛ قد تكون تحيّزات حقيقية، أو أن ضعف النص ومنهجيته لم ينجحا في تبريرها. فحشد المعلومات والإحالات والتفسيرات، سواء اتصلت أم تفرقت، لا يكفي بذاته لتكوين سردية مكتملة.
ومن الأمثلة على ذلك أن الكتاب يتمحور حول الاقتحام، لكنه لا يقدّم تعريفًا واضحًا له وفق المفاهيم المتداولة: أكان حركة أم ثورة أم غزوة أم شيئًا آخر؟ كما يعرض سلوك جماعة مناهضة من دون أن يشرح، بما يكفي، طبيعة النظام السياسي القائم أو الظروف الجيوسياسية المحيطة بها. وبعبارة أخرى، ادّعى جهيمان، بصرف النظر عن منطلقاته النفسية التي شرحتها الكاتبة، أنه يعترض على واقع ما أو يقاومه، غير أن الكتاب لا يوضح هذا الواقع وأبعاده بما يكفي لاكتمال الصورة. ولا أفترض هنا حكمًا سلبيًا أو إيجابيًا، بل أتعامل مع منتج كتابي ثقافي، محاولًا فهم سياقاته المنهجية والموضوعية. لذلك لا أدخل في تفنيد التفاصيل والنقاط كافة؛ تجنبًا للإطالة أو الانزلاق إلى قراءة أكاديمية أو سياسية؛ فلست هنا محكّمًا بحثيًا، ولا مشرفًا دراسيًا، ولا محللًا سياسيًا، وإنما أقدّم قراءة سريعة، وأحسب أن كل ما نكتبه، مهما بلغت جودته، يستحق النقد والتحليل.
وأكرر تقديري للجهد المبذول في هذا العمل، الذي يبيّن سعة اطلاع الكاتبة؛ إذ تتجاوز فيه مجرد تقديم دراسة محددة ذات صلة بالمجالين النفسي والسياسي، إلى استخدام أعمال أدبية روائية بوصفها مرجعيات في عناوينها وتعبيراتها المختلفة. ويتأكد ذلك من خلال اختيار عنوان يحاكي عنوان رواية معروفة، وهو ما يثير الفضول ويطرح تساؤلًا يتعلق بتسويق العمل.