.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
يمضي مفتي ليبيا السابق الصادق الغرياني في إطلاق مواقف تتجاوز الشأن الليبي إلى ملفات إقليمية شديدة الحساسية، ما يعيد طرح التساؤلات عن تأثير خطابه في صورة ليبيا وعلاقاتها الخارجية، خصوصاً عندما تتصل تصريحاته بالصراعات المسلحة وأمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.وفي أحدث مواقفه، دعا الغرياني، خلال ظهور تلفزيوني، إلى دعم سيطرة الحوثيين على باب المندب "إذا انحصر الخيار"، معتبراً أن سيطرة الجماعة على الممر البحري ستزيد الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل. وجاء التصريح فيما كانت التطورات الميدانية في اليمن تضاعف حساسية الملف، بعد التقدم الحوثي على الساحل الغربي والسيطرة على مواقع وجزر استراتيجية قرب المضيق.وأثار موقف الغرياني ردوداً في ليبيا واليمن. فقد استنكرت اللجنة العليا للإفتاء في بنغازي تصريحاته، وأعادت التذكير بأن مجلس النواب أصدر عام 2014 القانون رقم 8 بحل دار الإفتاء وإعادة رئيسها وأعضائها إلى أعمالهم السابقة. واتهمته اللجنة بإثارة الفتن ودعم أطراف وصفتها بالمنحرفة، مؤكدة رفضها الوقوف إلى جانب من تعتبرهم معتدين على المقدسات الإسلامية.كذلك رفضت وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية توصيف الغرياني للصراع، معتبرة أن موقفه يستند إلى معلومات مغلوطة أو مجتزأة، ودعته إلى الرجوع إلى علماء اليمن والإحاطة بوقائع الحرب وتداعياتها قبل إصدار أحكام تتصل بها.
لا تتوقف حساسية القضية عند الخلاف الليبي على صفة الغرياني. فالدعوة إلى دعم سيطرة الحوثيين على باب المندب تنقل خطابه من دائرة السجال الداخلي إلى ملف يرتبط مباشرة بأمن الملاحة والصراع الإقليمي والعلاقات مع دول الخليج العربي.وتزداد المشكلة تعقيداً بفعل الانقسام المؤسسي الليبي. فعلى الرغم من انتهاء موقع الغرياني الرسمي وفق القانون الصادر عن مجلس النواب، لا يزال يُقدَّم في بعض الأوساط ووسائل الإعلام بصفة "مفتي ليبيا"، ما يجعل مواقفه قابلة لأن تُقرأ خارجياً باعتبارها جزءاً من المشهد السياسي والديني الليبي.ويرى المحلل السياسي الليبي عمرو أبو أسعيدة، في تصريح لـ"النهار"، أن الغرياني اعتاد طوال السنوات الماضية التدخل في تفاصيل المشهد السياسي، متجاوزاً دوره وتقديم نفسه بوصفه محللاً سياسياً وخبيراً في الشؤون العسكرية والاقتصادية، عبر مواقف أثارت جدلاً داخل ليبيا وخارجها.ويقول أبو أسعيدة إن مواقفه لم تعد تقتصر على الشأن الليبي، وامتدت إلى قضايا عربية وإقليمية، معتبراً أن موقفه الأخير الداعم للحوثيين في مواجهة السعودية يمثل نموذجاً لذلك، ويرى أنه يحرج المؤسسات الليبية الرسمية ويفرض تداعيات على علاقات البلاد الخارجية.ويعتقد المحلل الليبي أن النفوذ الذي لا يزال الغرياني يتمتع به "لا يستند إلى إجماع شعبي أو شرعية دينية رسمية، وإنما إلى التفاف مجموعات وتيارات أيديولوجية حوله، وفرت له غطاءً سياسياً واجتماعياً مكّنه من الاستمرار في إصدار مواقف تتجاوز حدود دوره السابق".ويربط أبو أسعيدة صمت رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بحسابات سياسية ومصلحية، معتبراً أن الدبيبة "يوظف علاقته بهذا التيار ضمن توازنات النفوذ والحفاظ على موقعه السياسي، حتى على حساب صورة الدولة وعلاقاتها الخارجية".
مقاتلون موالون للحوثيين خلال تجمع للتعبئة والتجنيد في صنعاء، 10 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب)
من جهته، يؤكد الديبلوماسي الليبي السفير محمد شعبان المرداس، في تصريح لـ"النهار"، أن الغرياني "أصبح لاعباً سياسياً يمثل التيارات الراديكالية"، مشيراً إلى أنه "يكنّ العداء لدول الخليج، ولا سيما السعودية، لأسباب مرتبطة بمواقف شخصية". ويرى أن موقفه الداعم للحوثيين في اليمن "ينسجم مع الموقف العام لجماعة الإخوان المسلمين والتيارات الأصولية".ويذهب المرداس إلى أن مواقف الغرياني لا تحرج رئيس حكومة الوحدة الوطنية، معتبراً أن الأخير "يستخدمه كغطاء شرعي في مواجهة خصومه داخل ليبيا"، وأن "تحالف مصالح نشطاً" يجمع بين الجانبين منذ فترة.وفي المقابل، يرى أن شعبية الغرياني "تآكلت" داخل ليبيا، وأنه لم يعد يمتلك ظهيراً شعبياً باستثناء ما تبقى من عناصر التيارات الأصولية، عازياً ذلك إلى إصراره على إصدار فتاوى ومواقف مثيرة للجدل أضرت، بحسب تقديره، بصورة ليبيا وعلاقاتها الدولية، ولا سيما مع دول الجوار وحلفائها في المنطقة.ويضيف أن التطورات السياسية في ليبيا "لا تصب في مصلحة تيار الإسلام السياسي"، معتبراً أن الغرياني يلجأ، في ظل هذه المعطيات، إلى مواقف وفتاوى من شأنها "خلط الأوراق" والتأثير في مسار المشهد السياسي.هكذا، تتجاوز تصريحات الغرياني الأخيرة حدود الجدل المتكرر على موقعه ودوره داخل ليبيا. فحين ينتقل خطابه إلى باب المندب والحوثيين والعلاقات مع السعودية ودول الخليج، تصبح المسألة مرتبطة أيضاً بقدرة المؤسسات الليبية على الفصل بين مواقف شخصية سياسية ودينية وبين السياسة الرسمية للدولة، في توقيت إقليمي شديد الحساسية.
يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟