العمل الحر في الإمارات: دخل أعلى أم أمان مالي أقل؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

تقرير يرصد كلفة العمل الحر في الإمارات بين الدخل الأعلى وغياب الأمان الوظيفي، من الإقامة والتأمين والضرائب إلى التقاعد والإجازات غير المدفوعة.

تعتمد شريحة عريضة من العمالة الوافدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والبالغة نحو 8.7 عامل، وفق تقديرات منظمة العمل الدولية، على العمل الحر، حيث لم يعد العمل الحرّ خياراً هامشياً لمن لا يجد وظيفة ثابتة، بل أصبح جزءاً من سوق عمل أوسع تعيد فيه الشركات توظيف المهارات بحسب الحاجة، لا بحسب دوام طويل الأجل.

هذا التحول يضع العاملين المستقلّين وأصحاب الإقامات المرنة أمام سؤال ماليّ مباشر: هل يكفي ارتفاع الدخل لتعويض غياب الأمان الوظيفي؟

تجيب نورهان أشرف، إحدى المقيمات في دولة الإمارات ولديها خبرة في الموارد البشرية والتوظيف، في تصريحات لـ"النهار" بأن الإجابة تعتمد على مستوى المهارة، وانتظام العملاء، والانضباط المالي؛ فالمستقلون في مجالات مثل التكنولوجيا، تحليل البيانات، الاستشارات، التسويق، التصميم، وإدارة المشاريع يمكنهم تحقيق عوائد يومية مرتفعة مقارنة بموظفين في وظائف ثابتة.

وتشير أشرف أن هذه العوائد تصبح أقل جاذبية عندما تُخصم منها تكلفة الترخيص، التأمين الصحي، ضريبة القيمة المضافة عند بلوغ حد التسجيل، مخصصات التقاعد الذاتية، وأيام المرض أو السفر التي لا يدفع عنها أحد.

تقول الخبيرة في الموارد البشرية إن شخصاً عازباً يعيش في الإمارات بميزانية متوسطة إلى اقتصادية يحتاج، في أغلب الأحيان، إلى نحو 6 آلاف إلى 10 آلاف درهم شهرياً (نحو 1,600 إلى 2,700 دولار)، إذا كان يعيش في استوديو أو سكن صغير خارج المناطق الأغلى. ويرتفع الرقم إلى 11 ألفاً إلى 16 ألف درهم شهرياً (نحو 3,000 إلى 4,360 دولاراً) في دبي أو أبوظبي، إذا اختار شقة مؤلفة من غرفة وصالة بمستوى متوسط.

وتوضّح بأنه إن كان المقيم قادماً عبر وظيفة نظامية، فمن حيث المبدأ يتحمل صاحب العمل تكاليف الاستقدام والتوظيف، بما في ذلك تأشيرة الدخول، الفحص الطبي، وإصدار الإقامة، وفق إرشادات وزارة الموارد البشرية والتوطين. لذلك لا يُفترض أن يدفع الموظف هذه التكلفة من راتبه.

وتضيف: أما إن كان الشخص يريد إقامة حرة أو مستقلة، فالتكلفة تختلف كثيراً؛ ففي دبي، تطرح منصة GoFreelance باقة عمل حر بنحو 7500 درهم سنوياً (نحو 2040 دولاراً)، وهذه لا تشمل التأشيرة. وتذكر المنصة أن تأشيرة سنة واحدة تبلغ 4600 درهم (نحو 1250 دولاراً)، وتأشيرة سنتين 5042 درهماً (نحو 1374 دولاراً)، إضافة إلى بطاقة منشأة بنحو 2000 درهم (نحو 545 دولاراً)، فضلاً عن تأمين صحي إلزامي.

بالتالي، من يريد إقامة فريلانسر في دبي يحتاج عملياً إلى نحو 15 ألفاً إلى 18 ألف درهم في السنة الأولى (نحو 4080 إلى 4900 دولار) عند احتساب الرخصة، التأشيرة، بطاقة المنشأة، التأمين، الفحص الطبي، ورسوم الهوية والخدمات.

أما الرسوم الحكومية الأساسية للإقامة لدى الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ فتشمل 100 درهم (نحو 27 دولاراً) لطلب الخدمة، و100 درهم (نحو 27 دولاراً) عن كل سنة لإصدار تصريح الإقامة، إضافة إلى 100 درهم (نحو 27 دولاراً) رسوم خدمات ذكية. لكن هذه الرسوم لا تمثل كامل التكلفة العملية للحصول على إقامة حرة.

وسّعت الإمارات خلال السنوات الأخيرة مسارات الإقامة والعمل المرن، وتمنح الإقامة الخضراء للفريلانسرز وأصحاب الأعمال المستقلّة إقامة قابلة للتجديد لمدة خمس سنوات من دون الحاجة إلى كفيل داخل الدولة، بشرط الحصول على تصريح عمل حرّ أو عمل مستقلّ، وامتلاك مؤهل تعليمي مناسب، وإثبات دخل سنويّ من العمل الحر لا يقلّ عن 360 ألف درهم خلال العامين السابقين، أو إثبات الملاءة المالية طوال فترة الإقامة.

هذه الشروط تجعل الإقامة المرنة أداة لاستقطاب أصحاب المهارات، لا شبكة أمان اجتماعيّ؛ فهي تمنح حق البقاء والعمل المستقلّ، لكنها لا تنشئ تلقائياً علاقة عمل مع صاحب عمل، ولا تمنح مزايا الموظف التقليدي مثل مكافأة نهاية الخدمة، الإجازات المدفوعة، أو التأمين ضد فقدان العمل.

في دبي، تتيح سلطة دبي للتطوير رخصة مهنية حرة تُمكّن المستقل من ممارسة نشاطه باسمه الشخصي بدلاً من اسم تجاري، مقابل رسوم تصريح سنوية تبلغ 7500 درهم (أي نحو 2043 دولاراً)، قبل احتساب الرسوم الإضافية المرتبطة بالإقامة أو ببطاقة المنشأة أو التأمين. وهنا تبدأ التكلفة الثابتة قبل إصدار أول فاتورة للعميل.

تستفيد الشركات من العمل الحر لأنه يمنحها وصولاً سريعاً إلى خبرات متخصصة من دون الالتزام بتوظيف دائم، ووفق تقرير "أوتسايزد" عن المواهب حسب الطلب لعام 2025، تستعين شركات في الشرق الأوسط بمستقلين بمعدلات يومية تتراوح ما بين 300 و1000 دولار، بحسب المهارة والخبرة، مع طلب قويّ على التحول الرقمي، البيانات، الاستراتيجية، التسويق، وإدارة المشاريع.

لكن بالنسبة إلى العامل المستقل، فلا يكفي النظر إلى "الدخل الإجمالي"؛ فالرقم الأهمّ هو الدخل الصافي المستقرّ بعد استبعاد الأشهر الضعيفة، وأيام الإجازة، وفترات التحصيل، وتكاليف الامتثال.

وقد يبدو مشروع بقيمة كبيرة مربحاً على الورق، قبل أن يتحوّل إلى ضغط نقديّ إذا تأخّر العميل في السداد 60 أو 90 يوماً، بينما تبقى التزامات الرخصة والإقامة والتأمين قائمة.

لذلك يدير الفريلانسر الناجح في الإمارات عمله كمنشأة صغيرة لا كفرد يتلقّى دخلاً عارضاً: عقود مكتوبة، دفعات مقدّمة، تسعير يشمل المخاطر، احتياطي نقدي، وسجل واضح للإيرادات والمصروفات.

لا تفرض الإمارات ضريبة دخل شخصية على الأفراد، لكن ذلك لا يعني أن الفريلانسر خارج المنظومة الضريبية. فالنقطة الأكثر التصاقاً بعمل المستقلين هي ضريبة القيمة المضافة البالغة 5% على معظم السلع والخدمات.

تفرض الهيئة الاتحادية للضرائب التسجيل الإلزامي في ضريبة القيمة المضافة إذا تجاوزت التوريدات الخاضعة للضريبة والواردات حد 375 ألف درهم خلال 12 شهراً، أو كان من المتوقع تجاوز هذا الحد خلال 30 يوماً، كما تسمح بالتسجيل الطوعي إذا تجاوزت التوريدات أو المصروفات الخاضعة للضريبة 187500 درهم (أي نحو 51,090 دولاراً).

وبالنسبة إلى الفريلانسر، يعني ذلك أن النمو قد يجلب معه عبئاً إدارياً جديداً. فبمجرد التسجيل، يصبح ملزماً بإصدار فواتير ضريبية، تحصيل الضريبة من العملاء، تقديم الإقرارات، والاحتفاظ بسجلات دقيقة. ويمكنه في المقابل استرداد ضريبة المدخلات على بعض المصروفات المهنية المؤهّلة، مثل المعدات أو البرمجيات أو الخدمات المرتبطة بالنشاط.

لكن التحدي العملي يظهر في التسعير، فإذا كان العميل شركة مسجلة ضريبياً، فقد تكون إضافة 5% إلى الفاتورة أمراً مقبولاً لأنها تسترد الضريبة. أما إذا كان العميل فرداً أو جهة غير قادرة على الاسترداد، فقد تتحوّل الضريبة إلى عنصر ضغط على السعر النهائي.