العملات المشفرة وتكلفة الثقة  – رسيني الرسيني

ارتبطت جاذبية العملات المشفرة بفكرة انتقال القيمة دون الحاجة إلى جهة مركزية، وبناء التداول بين أطراف لا يعرفون بعضهم، إلا أنه مع انتشار منصات التداول أعادت الجهة المركزية إلى قلب التجربة، فالمستخدم قد يشتري أصلًا لا مركزيًا لكنه يترك حفظه وإدارته لدى مؤسسة مركزية. ومن هذه المفارقة يمكن قراءة اختراق منصة «بينانس» مؤخرًا والذي قدرت خسائرها ما يزيد عن 6 مليار دولار على أنها أزمة في حماية الحقوق والثقة. فالمسروق، وفق إفصاح المنصة، أصول مشفرة من محافظها المتصلة بالإنترنت، تشمل عملات ورموزًا رقمية، وليس أرصدة نقدية سُحبت من حسابات مصرفية. أما تقدير الخسارة بالدولار يعبر عن قيمة تلك الأصول لا عن طبيعتها.

اقتصاديًا، تطرح الحادثة سؤالًا عن التكلفة الحقيقية للخدمات المالية الرقمية. فالرسوم المنخفضة وسرعة التنفيذ لا تكفيان للحكم على كفاءة المنصة، ما لم تحتسب تكلفة حماية الأصول واستمرارية الأعمال واحتمالات التعطل والخسارة. وقد تبدو مؤسسة أكثر ربحية لأنها تنفق أقل على الرقابة والحماية، بينما تكون قد أجلت تكلفة ستظهر عند أول اختبار صعب، حيث يمثل الإنفاق على الأمن والحوكمة استثمارًا في استمرار النشاط وصيانة الثقة التي تجذب العملاء والسيولة.

وهنا يبرز سؤال: إلى أين تتجه الثقة بالعملات المشفرة؟ فقد تستمر جاذبيتها إلا أن استخدامها سيظل مرتبطًا بقدرة المؤسسات المحيطة بها على حماية الحقوق، إذ إن الثقة المستقبلية تحتاج إلى ضمانات قابلة للتحقق.

والتاريخ يقدم أمثلة على اختلاف نتائج الاختراق بحسب قدرة المؤسسة على احتواء آثاره. ففي عام 2014م، تقدمت منصة «إم تي غوكس» بطلب الحماية من الإفلاس بعد فقدان كميات ضخمة من البيتكوين نسبت خسارتها إلى اختراق أنظمتها. وفي نيوزيلندا، دخلت منصة «كريبتوبيا» التصفية عام 2019م، بعدما ألحق الاختراق ضررًا شديدًا بنشاطها. والمغزى أن الخسارة قد تتجاوز الأصول المسروقة إلى تآكل الإيرادات وارتفاع التكاليف وانسحاب العملاء. وهكذا، قد تتحول مشكلة أمنية إلى أزمة في استمرارية المؤسسة، خصوصًا عندما تكون مواردها محدودة أو تتعطل قدرتها على خدمة المتعاملين وهو ما يفسر لماذا تختلف مصائر المنصات حتى عندما تتشابه طبيعة الاعتداء عليها وحجم الضغوط التي تواجهها بعد وقوعه. وفي حالة «بينانس» يمثل إعلان تحمل الخسائر من موارد المنصة محاولة جادة لمنع انتقال الضرر إلى العملاء واحتواء أثره في الثقة. لكن الدرس الأوسع يتعلق بالفارق بين الملاءة والسيولة، فقد تستطيع المؤسسة تحمل الخسارة ماليًا، بينما تواجه صعوبة في توفير أصول محددة فور مطالبة أصحابها بسحبها. كما أن تعويض الأصول المسروقة بشراء بدائل لا يعني استردادها من المهاجمين. وعليه، يبدو أن مستقبل الثقة بالعملات المشفرة سيتأثر بقدرة منصاتها على تحويل التعهدات إلى حقوق مضمونة وموارد متاحة عند الطلب، فالثقة أصلًا اقتصاديًا تبنى قيمته ببطء، وقد تتبدد سريعًا حين تعجز المؤسسة عن الوفاء بما وعدت به عند الاختبار.

مهما تطورت أدوات المال والتداول، تبقى حماية الملكية والقدرة على الوفاء أساس استدامة الأسواق المالية.

ارتبطت جاذبية العملات المشفرة بفكرة انتقال القيمة دون الحاجة إلى جهة مركزية، وبناء التداول بين أطراف لا يعرفون بعضهم، إلا أنه مع انتشار منصات التداول أعادت الجهة المركزية إلى قلب التجربة، فالمستخدم قد يشتري أصلًا لا مركزيًا لكنه يترك حفظه وإدارته لدى مؤسسة مركزية. ومن هذه المفارقة يمكن قراءة اختراق منصة «بينانس» مؤخرًا والذي قدرت خسائرها ما يزيد عن 6 مليار دولار على أنها أزمة في حماية الحقوق والثقة. فالمسروق، وفق إفصاح المنصة، أصول مشفرة من محافظها المتصلة بالإنترنت، تشمل عملات ورموزًا رقمية، وليس أرصدة نقدية سُحبت من حسابات مصرفية. أما تقدير الخسارة بالدولار يعبر عن قيمة تلك الأصول لا عن طبيعتها.

اقتصاديًا، تطرح الحادثة سؤالًا عن التكلفة الحقيقية للخدمات المالية الرقمية. فالرسوم المنخفضة وسرعة التنفيذ لا تكفيان للحكم على كفاءة المنصة، ما لم تحتسب تكلفة حماية الأصول واستمرارية الأعمال واحتمالات التعطل والخسارة. وقد تبدو مؤسسة أكثر ربحية لأنها تنفق أقل على الرقابة والحماية، بينما تكون قد أجلت تكلفة ستظهر عند أول اختبار صعب، حيث يمثل الإنفاق على الأمن والحوكمة استثمارًا في استمرار النشاط وصيانة الثقة التي تجذب العملاء والسيولة.

وهنا يبرز سؤال: إلى أين تتجه الثقة بالعملات المشفرة؟ فقد تستمر جاذبيتها إلا أن استخدامها سيظل مرتبطًا بقدرة المؤسسات المحيطة بها على حماية الحقوق، إذ إن الثقة المستقبلية تحتاج إلى ضمانات قابلة للتحقق.

والتاريخ يقدم أمثلة على اختلاف نتائج الاختراق بحسب قدرة المؤسسة على احتواء آثاره. ففي عام 2014م، تقدمت منصة «إم تي غوكس» بطلب الحماية من الإفلاس بعد فقدان كميات ضخمة من البيتكوين نسبت خسارتها إلى اختراق أنظمتها. وفي نيوزيلندا، دخلت منصة «كريبتوبيا» التصفية عام 2019م، بعدما ألحق الاختراق ضررًا شديدًا بنشاطها. والمغزى أن الخسارة قد تتجاوز الأصول المسروقة إلى تآكل الإيرادات وارتفاع التكاليف وانسحاب العملاء. وهكذا، قد تتحول مشكلة أمنية إلى أزمة في استمرارية المؤسسة، خصوصًا عندما تكون مواردها محدودة أو تتعطل قدرتها على خدمة المتعاملين وهو ما يفسر لماذا تختلف مصائر المنصات حتى عندما تتشابه طبيعة الاعتداء عليها وحجم الضغوط التي تواجهها بعد وقوعه. وفي حالة «بينانس» يمثل إعلان تحمل الخسائر من موارد المنصة محاولة جادة لمنع انتقال الضرر إلى العملاء واحتواء أثره في الثقة. لكن الدرس الأوسع يتعلق بالفارق بين الملاءة والسيولة، فقد تستطيع المؤسسة تحمل الخسارة ماليًا، بينما تواجه صعوبة في توفير أصول محددة فور مطالبة أصحابها بسحبها. كما أن تعويض الأصول المسروقة بشراء بدائل لا يعني استردادها من المهاجمين. وعليه، يبدو أن مستقبل الثقة بالعملات المشفرة سيتأثر بقدرة منصاتها على تحويل التعهدات إلى حقوق مضمونة وموارد متاحة عند الطلب، فالثقة أصلًا اقتصاديًا تبنى قيمته ببطء، وقد تتبدد سريعًا حين تعجز المؤسسة عن الوفاء بما وعدت به عند الاختبار.

مهما تطورت أدوات المال والتداول، تبقى حماية الملكية والقدرة على الوفاء أساس استدامة الأسواق المالية.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.