تُعد العلاقات بين السودان وإريتريا من العلاقات المهمة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي، وإنما بفعل الروابط الاجتماعية والتاريخية التي تجمع سكان المناطق الحدودية، إضافة إلى تداخل المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية بين البلدين.
تعود جذور العلاقة بين الشعبين السوداني والإريتري إلى ما قبل استقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993، فقد شكّل السودان، بحكم موقعه الجغرافي، منفذًا رئيسيًا ومجالًا للحركة واللجوء بالنسبة للإريتريين خلال سنوات النضال من أجل الاستقلال.
كما ترتبط المجتمعات الواقعة على جانبي الحدود بروابط قبلية وثقافية واجتماعية قديمة، ولا سيما في مناطق شرق السودان وغرب إريتريا، ولذلك ظلت الحدود، في كثير من الأحيان، منطقة للتواصل وحركة السكان والتجارة أكثر من كونها حاجزًا يفصل بين مجتمعين؛ وتشير مصادر سودانية وإريترية إلى أن السودان قدم دعمًا مهمًا للشعب الإريتري خلال مرحلة النضال من أجل الاستقلال، وهو ما ترك أثرًا في الذاكرة السياسية الإريترية.
مع استقلال إريتريا رسميًا عام 1993، بدأت مرحلة جديدة في العلاقات بين الخرطوم وأسمرا. وكانت البداية متأثرة بالشكوك الأمنية المتبادلة، فقد اتهمت إريتريا السودان بدعم جماعات إريترية معارضة، وعلى رأسها حركة الجهاد الإسلامي الإريترية، بينما اتهم السودان إريتريا لاحقًا بدعم حركات معارضة سودانية.
وتصاعد الخلاف خلال عامي 1993 و1994، وصولًا إلى قطع إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع السودان في ديسمبر 1994. وتحولت إريتريا في تلك الفترة إلى أحد الداعمين للمعارضة السودانية، واستضافت قوى وشخصيات معارضة لنظام الرئيس عمر البشير.
استمر التوتر خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، وشهدت الحدود بين البلدين حوادث أمنية، كما تبادل الطرفان الاتهامات بدعم جماعات مسلحة ومعارضة.
وفي عام 2002 تصاعدت الأزمة مجددًا، واتهمت الخرطوم أسمرا بدعم هجمات شنتها جماعات متمردة في شرق السودان، فيما نفت إريتريا الاتهامات. وأصبحت قضايا الحدود، وحركة اللاجئين، ونشاط المعارضة المسلحة، من أبرز الملفات التي أثرت في العلاقة بين البلدين.
بدأت العلاقات في التحسن تدريجيًا في منتصف العقد الأول من الألفية، وأعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في ديسمبر 2005، ثم التقى الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس الإريتري أسياس أفورقي في الخرطوم عام 2006، في خطوة مثلت تحولًا مهمًا بعد سنوات من القطيعة والتوتر.
ولعبت إريتريا دورًا بارزًا في ملف السلام في شرق السودان؛ ففي أكتوبر 2006 استضافت أسمرا توقيع اتفاق سلام بين الحكومة السودانية وجبهة الشرق، وهو الاتفاق الذي أنهى مرحلة مهمة من الصراع المسلح في شرق السودان، ورسخ دور إريتريا كوسيط بين الخرطوم والقوى السياسية والمسلحة في الشرق.
شهدت السنوات التالية زيارات متبادلة بين قيادتي البلدين، من بينها زيارة الرئيس الإريتري إلى السودان عام 2008، وزيارة الرئيس البشير إلى أسمرا عام 2009، ثم لقاءات أخرى هدفت إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وفي أكتوبر 2011 اتفق البلدان على فتح الحدود وتسهيل حركة المواطنين والسلع، إلى جانب طرح مشاريع لربط البلدين بطرق ووسائل نقل تساعد على تنشيط التجارة والتواصل بين الشعبين، كما زار البشير أسمرا في يناير 2013، في مؤشر على استمرار مسار التقارب.
لم يكن التقارب خطًا مستقيمًا؛ فقد عادت التوترات إلى الواجهة مطلع عام 2018، عندما أعلنت الخرطوم إغلاق المعابر الحدودية مع إريتريا ونشرت تعزيزات عسكرية في ولاية كسلا، وسط اتهامات سودانية بوجود تهديدات أمنية على الحدود.
وردت أسمرا بنفي الاتهامات المتعلقة بوجود تهديدات أو تحركات عسكرية ضد السودان، وعادت العلاقات لاحقًا إلى قدر من الاستقرار، كما أشار تقرير للأمم المتحدة عام 2019 إلى أن العلاقات السودانية الإريترية شهدت توترًا خلال الأشهر الأولى من 2018 قبل أن تعود إلى حالة من الاستقرار النسبي.
أعادت التطورات السياسية والأمنية في السودان أهمية العلاقات مع إريتريا، خصوصًا بسبب الموقع الاستراتيجي للبلدين على البحر الأحمر والحدود المشتركة، وتشابك ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستقرار في شرق السودان والقرن الأفريقي.
وفي السنوات الأخيرة برزت الرغبة في الحفاظ على قنوات التواصل بين الخرطوم وأسمرا، مع تركيز متزايد على المصالح المشتركة والتنسيق السياسي والأمني، وفي فبراير 2026 وصف السفير السوداني لدى إريتريا العلاقات بين البلدين بأنها ذات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، مؤكدًا عمق الروابط التاريخية بين الشعبين.
يأتي لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان والرئيس الإريتري أسياس أفورقي في أسمرا في سياق هذا التاريخ الطويل من العلاقات المتأرجحة بين التوتر والتعاون.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لإريتريا، والحدود المشتركة مع السودان، والروابط الاجتماعية الممتدة بين شعوب شرق السودان وغرب إريتريا، فضلًا عن الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تجعل استقرار العلاقة بين الخرطوم وأسمرا عاملًا مؤثرًا في أمن شرق السودان والبحر الأحمر.
وبالنظر إلى مسار العلاقات منذ استقلال إريتريا، يمكن القول إن العلاقة مرت بثلاث مراحل رئيسية: مرحلة توتر وقطيعة في تسعينيات القرن الماضي، ثم مرحلة مصالحة وتعاون منذ منتصف العقد الأول من الألفية، تخللتها انتكاسات أمنية وسياسية، وصولًا إلى مرحلة تسعى فيها القيادتان إلى تثبيت التعاون والتنسيق على أساس المصالح المشتركة وحسن الجوار.
في النهاية تكشف مسيرة العلاقات السودانية الإريترية أن الجغرافيا والتاريخ الاجتماعي كانا دائمًا أقوى من فترات الخلاف السياسي، فالدولتان تشتركان في حدود ومجتمعات متداخلة ومصالح مرتبطة بأمن البحر الأحمر وشرق السودان والقرن الأفريقي.
ومن هنا، فإن لقاء البرهان وأفورقي لا يمكن قراءته باعتباره لقاءً بروتوكوليًا منفصلًا، وإنما باعتباره حلقة جديدة في تاريخ طويل من العلاقات التي شهدت الدعم والتقارب، ثم القطيعة والصراع غير المباشر، ثم المصالحة والوساطة، وصولًا إلى محاولة بناء تعاون أكثر استقرارًا.