.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
تطور العلاقات الاقتصادية بين مصر وسوريا وفرص إعادة الإعمار بعد الأزمة السورية مع التركيز على التعاون التجاري والاستثماري حتى 2026.
في لقاء صحافي، وصف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي العلاقات المصرية – السورية بأنها "تمضي قدماً وتسير في الاتجاه الطبيعي، ومصر تتمنى كل الخير لسوريا وشعبها"، موضحاً أنه يعتزم زيارة سوريا. وتأتي هذه الزيارة التي لم تحدد الخارجية موعدها بعد، لتدشين مرحلة جديدة من الشراكة الثنائية، بعد زيارة وفد حكومي مصري دمشق، برئاسة مساعد وزير الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين في الخارج، السفير إيهاب فهمي.
في عام 2010، وفي ظل تكامل صناعي وزراعي وميزة الإعفاءات الجمركية ضمن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، قارب حجم التبادل التجاري البيني بين مصر وسوريا نحو 350 مليون دولار، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أنه نما ليصل إلى نحو 500 مليون دولار قبيل الأزمة السورية.ومع اندلاع الأزمة في عام 2011، وتوقف حركة الترانزيت البرية وإغلاق المعابر، انكمش هذا الرقم بشكلٍ حاد ومفاجئ، ليتحول الميزان التجاري من حالة التكامل إلى الحد الأدنى من تبادل السلع الأساسية. فبعدما كانت سوريا سوقاً حيوية للصادرات المصرية، تراجعت القيمة الإجمالية لتسجل نحو 81 مليون دولار فقط في عام 2020، قبل أن تشهد تعافياً جزئياً لتصل إلى 135 مليون دولار في عام 2021، ثم تتجاوز حاجز 300 مليون دولار في بعض الأعوام اللاحقة.اليوم، رغم مرور أكثر من عقد على الأزمة، لا تزال الفجوة التجارية واسعة وعميقة؛ إذ يشير أحدث إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر إلى أن حجم الصادرات المصرية لسوريا من كانون الثاني/يناير إلى آب/أغسطس 2024 بلغ نحو 28.4 مليون دولار، بارتفاع طفيف عن 26 مليون دولار في المدة نفسها من عام 2023. في المقابل، تضاءلت الواردات المصرية من سوريا، وكانت تشمل سلعاً زراعية وصناعية متنوعة، لتسجل نحو 3.6 ملايين دولار فقط خلال المدة نفسها من عام 2024.هذا التباين يجعل إجمالي التبادل التجاري بين البلدين يدور حول 32 مليون دولار فقط خلال 8 أشهر، وهذا الرقم يعكس بوضوح حجم الدمار الذي لحق بالاقتصاد السوري، وتآكل القوة الشرائية، والقيود اللوجستية التي خلفتها سنوات الحرب الطويلة.
شهد عام 2025 حراكاً ديبلوماسياً واقتصادياً متسارعاً على خط القاهرة - دمشق، مدفوعاً بالمتغيرات السياسية العميقة التي أعقبت انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وتولي الرئيس أحمد الشرع سدة الحكم. قرأت القاهرة في هذا التحول فرصةً استراتيجية لإعادة تفعيل دورها في المشرق العربي، مستندةً إلى إرثٍ تاريخي من العلاقات الثنائية، وإلى ثقلها في قطاعات البناء والصناعة والتكنولوجيا.
تُوِّج التقارب المصري – السوري بسلسلة من اللقاءات الرفيعة، أبرزها زيارة وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري عبد السلام هيكل للقاهرة في 24 كانون الثاني/يناير 2025، والذي عقد اجتماعات موسعة مع رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية وعدد من رجال الأعمال المصريين الكبار. وتركزت المحادثات على آفاق التعاون في مجالات التحول الرقمي، وبناء البنية التحتية للاتصالات، وتطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية، فضلاً عن نقل الخبرات المصرية في مجالات المدن الذكية والدفع الإلكتروني وريادة الأعمال التكنولوجية، وهي قطاعات ترى فيها دمشق الجديدة ركيزةً أساسية لتحديث اقتصادها وتجاوز البيروقراطية التي أثقلت كاهلها لعقود.على المستوى المؤسسي، شكّل انعقاد "الملتقى الاقتصادي السوري – المصري الأول" في دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2025، محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، إذ جمع للمرة الأولى منذ سنوات مسؤولين حكوميين سوريين إلى جانب قيادات بارزة من قطاع الأعمال المصري والسوري، في منصة حوار مباشرة هدفت إلى:- تعزيز التبادل التجاري بين البلدين وإزالة المعوقات اللوجستية والجمركية التي كبّلته خلال سنوات الحرب والعقوبات.- تحديد أولويات الاستثمار المشترك في قطاعات حيوية تشمل الطاقة، والصناعات الغذائية، ومواد البناء، والنسيج، والزراعة.- إقامة مشروعات مشتركة تستفيد من التكامل بين الأيدي العاملة السورية والخبرة الصناعية المصرية، خصوصاً في مجالات إعادة الإعمار والإسكان.- تطوير الشراكات بين القطاع الخاص في البلدين عبر إنشاء مجالس أعمال مشتركة وآليات تمويل ميسّرة تسهّل حركة رؤوس الأموال.
تفتح مرحلة ما بعد الأزمة السورية سوقاً تُقدر بمئات مليارات الدولارات، وتُعد مصر من أبرز المرشحين الإقليميين لاقتناص هذا الدور.حين التقى الشرع وفد الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية المشارك في "الملتقى الاقتصادي السوري - المصري الأول"، أكد لهم أن "من أولى الجهات التي ينبغي أن تكون حاضرة هي الشركات المصرية للمساهمة في إعادة الإعمار بسوريا".بناءً على هذه الدعوة، تتأهب شركات المقاولات المصرية لاقتناص فرص إعادة الإعمار، في خطوة ستشهد أول اختبار حقيقي وميداني لها قريباً. وتمظهر هذا بمشاركة مصرية قوية في مؤتمر إعادة إعمار سوريا الذي عقد بين 13 و16 أيلول/سبتمر الجاري، خصوصاً أن مصر تتفوق في قطاعات مواد البناء (الأسمنت والحديد والسيراميك)، والبنية التحتية، والكهرباء. كما أن هناك فرصاً واعدة للتوسع في شبكات الاتصالات والألياف الضوئية.