العطاس ورؤية الحداثة بعيون لا ماركسية ولا رأسمالية
يتكاثر اليوم الإنتاج المرئي والمسموع والمكتوب في "نقد الحداثة"، حتى غدا النقد نفسه جزءا من الموضات الفكرية المتعاقبة؛ ومن أبرز الانتقادات النقد الماركسي للحداثة، وهو نقد يوهم كثيرا من القرّاء بأنه يقف خارج الحداثة، بينما هو في حقيقته يتحرك داخل شرطها الفلسفي نفسه؛ أي داخل الإطار العلماني الذي أنتج الليبرالية الرأس مالية كما أنتج الماركسية، وإن اختلفت المواقف بينهما. من هنا يبرز السؤال: هل الموقف الماركسي هو بالفعل نقد للحداثة، أم أنه خصومة داخل البيت الحداثي نفسه؟ وهل الليبرالية تصحح الحداثة أو تعيد إنتاج أزماتها بصورة أخرى؟ ثم: هل يمكن تصور نقد ثالث، لا يستعير أدوات الماركسية ولا ينتهي إلى الليبرالية؟ تقدّم في المقالين السالفين إشارة رؤية ثالثة، وممثل موقف ثالث من الحداثة هو "محمد نقيب العطّاس". وهذا المقال إشارة سريعة لإمكانية نقد الحداثة، وتصحيح الواقع؛ بأدوات لا ماركسية ولا ليبرالية-رأسمالية، ومثالها هو نقد العطّاس للعلمانية (أمّ الماركسية والليبرالية)، وما أخرجته من مخرجات منها العلاقات المدنيّة على غير "المُداينة" الأصلية. يردّ العطاس أصل الأخلاق لعلاقة الإنسان بربّه، وشهود نفسه ميثاق الإشهاد، وحمل الإنسان للأمانة، وتمتع الأصل الإنساني بالعدالة؛ وضعاً للشيء في موضعه، وعلاقته بالزمان والمكان تنبثق من هذا الأصل، فلا علاقة فصل بين دين ودنيا، إذ لا وجود لثنائية "مقدّس ومدنّس"، ولا آخرة بلا بداية الدنيا، وعليه فلا تأسيس لشرط العلمانية الزمنيّ، وما يترتب عليه من تقويم خُلقي للأشياء والعلاقات والخلق جميعاً بين قيمتي "مدنّس" و"مقدّس". فكل ما في الدنيا طريق إلى الآخرة أو حاجز عنها، فلا وجود للشرط العلمانيّ في أصل نقده الإسلامي، وما يترتب على هذا الشرط العلماني من فصل بين النظم الإنسانية، فضلاً عن الفصل بين الفرد والمجتمع، فلا فصل بين النظام الاقتصاديّ والنظام الدينيّ، إذ الشكل الاقتصادي رفع من حالة التداين، والتداول، والخسارة، والربح، والبيع... إلى علاقة تجارة مع الله سبحانه وتعالى، فارتقى الشكل الاقتصادي حينما نفذت إليه المعاني الإيمانية، وخلّص من ملوثاته، وأُصلح الشكل بما يناسب هذه المعاني، دون نفيه وذمّه. وتأسيس الأخلاق ليس مردّه إلى علاقات "قوّة" تقابل "المساواة" عند من تأثر بفوكو وغيره، ومن ثم فالأخلاق -حسبهم- تنتج بنوع التقابل، بين أخلاق إنسانية (المساواة) وتصنيعية لخطاب ما (القوّة)! بل الأخلاق معانٍ ثابتة، تتغير صور تنزيلها حسب الحال والمقام والسياق. والإنسان تاريخي ولا تاريخي، فهو ناقل للمعاني التي حصّلها في المواثيق في لا تاريخيّته، ليُعملها في تاريخه، فالأصل هو اللاتاريخيّة (بمعنى أثر الإنسان في الأرض)، ثم انعكاسات هذه المعاني بين عكس عادل (وضع الشيء في موضعه)، وعكس ظالم. أمّا الرؤى العلمانية بمعسكريها؛ فهي تاريخيّة تنزع كثيراً لتعميم لا تاريخي أصله وقائع تاريخيّة، رافعةً التجارب الأوروبية منزلة الأصل الذي وفق سياقه ينظر للأمم والإنسان والكون! وعليه، مهما كان الموقف من الحداثة، فإنه لدى الغربيين موقف من رؤية أصلها شرط علماني، منبثق من تجربة تاريخية مخصوصة، في حين النقد الجديد أصله نافٍ للشرط العلمانيّ، ومنبثق من قيم لا تاريخيّة، لتأسيس تعاملات أخلاقيّة عليها، من أبسط علاقات الفرد إلى أضخم تشكلات النظم (الأمم). هذا اللفت للعطّاس في مثل هذا الزمن ضروري، خصوصاً عند ظهور أمثلة ناقدة للحداثة، توظّف الدين والشريعة لمثل ذلك، إن من توجهات إسلاميّة، أو نقد للحداثة طغى أثره مثل: استخدام وائل حلّاق للشريعة والإسلام لنقد الحداثة، ويعني بها تحديداً نقد "الليبرالية والرأسمالية"، بالأدوات نفسها التي استخدمها الماركسي "لازاراتو". وبإنتاج العطّاس ندل على طريق غير طريق وائل حلّاق!