العودة إلى النقطة نفسها تُصفّر الإزاحة، لكنها لا تمحو المسافة المقطوعة. يبقى التعب والخوف ومن فُقدوا في الطريق. قد يكون المكان نفسه، لكن العائد إليه تغيّر.أمام عمل «الإزاحة صفر» (Displacement) في معرض «استنزاف» للعزيز عاطف، وجدتني أفكّر في ما تعجز معادلة الإزاحة عن احتسابه، أن يعود الإنسان إلى نقطة البداية، وقد صار الطريق كلّه فيه. في الفيزياء، تُقاس الإزاحة بين موضع البداية وموضع النهاية؛ فإذا تطابقا، كانت صفرًا، مهما طال المسار بينهما. أمّا في حياة من يُقتلعون من أماكنهم، فالطريق يدخل في الجسد. يأخذ من قدرته، ومن ثقته بالأرض التي يمشي عليها، ومن تصوّره للغد. يعود المرء حاملًا مسافةً لا تظهر في عنوانه.في العمل «الإزاحة صفر»، تنسدل شرائط الشاش حول هيئة بنت، تحجبها وتتيح رؤيتها في آن. يحتاج النظر إلى شيء من المكوث ليميّز الجسد بين الطبقات؛ حضورٌ هشّ، يكاد النسيج يستعيده كلّما عثرت عليه العين. وآحد التفاصيل المثيرة للاهتمام، كان أنّ هذا الجسد نفسه مصنوع من الشاش. المادّة التي نضعها على موضع الإصابة هي التي تمنحه هيئته.باختيار الشاش، يضع العزيز عاطف فعل التشكيل في تماسّ مع فعل العناية. مادّةٌ تعرفها اليد وهي تحاول وقف نزيف، تنتقل إلى العمل محمّلةً باستعمالها الأوّل؛ يصعب النظر إليها من دون استحضار الجسد الذي احتاجها.وفي «الإزاحة صفر»، يصنع عاطف منها الجسد نفسه، فتغدو العلاقة بين الإصابة ومداواتها جزءاً من بنيته. يمنح الفكرة مادّةً تحملها، ويترك لتشابك الخيوط وشفافيّتها وطبقاتها أن يستدرج النظر إلى ما يتعذّر حسمه بالكلام.الفنان الفلسطيني يعمل من عالمٍ يصيبه أيضاً؛ ينظر إلى الجرح ويحمل نصيبه من معرفته. ومع ذلك، عليه أن يخلق المسافة التي تتيح للعمل أن يُنجز، وأن يعود إلى المادّة، ويختبر قدرتها على حمل ما يريد. في هذا الجهد شيءٌ مؤلم. أن يمنح الفوضى هيئةً فيما أسبابها مستمرّة، وأن يصنع أثرًا يبقى، من حياةٍ يُهدَّد أصحابها بالمحو. يصبح الفنّ عملاً على حفظ خصوصيّة الخسارة؛ على ألّا تُستهلك الوجوه في كثرة ما نرى، وألّا تتحوّل وفرة الشواهد إلى طريقةٍ أخرى لغياب أصحابها.اتّسعت دلالة الضمادة. فكّرت في مقدار ما يدخل في تكويننا من محاولات مداواة أنفسنا، العادات التي ابتكرناها لنحتمل، والكلمات التي لجأنا إليها، والصمت الذي حفظ لنا شيئًا من القدرة على مواصلة اليوم. نكبر، وتكبر معنا طرائق جمع ما تفرّق منّا، حتى يصعب أحياناً أن نعرف أين تنتهي الإصابة وأين تبدأ الحياة التي أقمناها حولها.في جسد الشاش، تبدو المداواة وقد اكتسبت ذاكرة؛ كلّ طبقة تحمل ضرورة وجودها، وأثر ما استدعاها.وتشتدّ قسوة هذه الصورة حين يكون الجرح عرضةً للتكرار. حين يُهجَّر الناس من موضع يُقصف، ثم يعودون إليه ليواجهوا القصف مجدّدًا، تُستنزف قدرتهم على تصديق النجاة. أيّ معنى يكتسبه المأوى بعد ذلك؟وأيّ جهد يحتاجه الجسد لكي يستريح؟يمتدّ العنف إلى أبسط علاقات الإنسان بالعالم؛ إلى النوم، وإلى ترك الأشياء في مواضعها، وإلى شراء ما سيُستخدم بعد أسبوع، وإلى الاطمئنان بأنّ من خرج قبل قليل سيعود.هنا يأخذ الخذلان مداه الفلسطيني. يُطلب من المهدَّد أن يتحرّك، وأن يحمل مسؤوليّة نجاته، فيما تظلّ سلامته خارج سلطته. وحين يُصاب، يُستعاد مساره كأنّ الخطأ قد يكون في وجهته. يصبح عليه أن يثبت، مرّة بعد أخرى، أنّه فعل ما استطاع ليعيش. كأنّ حقّه في الحماية مشروطٌ بإتقانه الهرب.وللخذلان مؤسّساتٌ ولغةٌ وإجراءات. يعرف الفلسطيني أنّ العالم قادرٌ على رؤيته؛ تصله صورته عائدةً من الشاشات، وتُحصى إصاباته، وتُناقَش مأساته في قاعاتٍ بعيدة. ثم يكتشف أنّ اتّساع المعرفة بما يحدث له لا يضمن اتّساع الحماية. تتكاثر الأدلة، وتبقى حياته معلّقةً بما إذا كانت ستُحدث أثرًا في حسابات من يملكون القرار. هكذا يُستنزف حتى رجاؤه في الشهادة. كم مرّة ينبغي أن يظهر الجرح كي تترتّب على رؤيته مسؤوليّة؟تتحدّث لغة الإغاثة عن الاحتياجات، وتحدّد كم يلزم من دواء وغذاء ومأوى. لهذه الاستجابة ضرورتها التي لا تحتمل التأجيل. لكنّ الخذلان يتعمّق حين يُختزل الإنسان في احتياجاته، وتُفصل إصابته عن الفعل الذي أحدثها. يصبح تأمين الضماد إنجازًا قابلًا للقياس، فيما يظلّ وقف اليد التي تعيد فتح الجرح مؤجّلًا إلى تفاوضٍ آخر. تُدار قابليّته للبقاء، ويُترك حقّه في حياةٍ آمنة رهينةً لتوازنات السياسة.ثم تكتسب العودة إلى المكان نفسه قسوةً إضافية. يعود المشرَّد وقد تعلّم شيئًا عن موقعه في العالم، وهذا ممّا يحمله معه ولا تُظهره خرائط النزوح؛ تصدّع العلاقة بين الإنسان وفكرة العدالة، وبين الاستغاثة وتوقّع الاستجابة.فمن يُترك طويلًا أمام أنظار الآخرين، يحتاج لاحقًا إلى جهدٍ هائل كي يصدّق أنّ اقتراب أحدٍ منه قد يحمل نجدةً فعلًا.ونسمّي القدرة على احتمال هذا كلّه صمودًا. وللكلمة تاريخها وكرامتها في التجربة الفلسطينية؛ تحمل فعل البقاء وما يتطلّبه من إرادة وتنظيم وتكافل. لكنّها تثقل حين تُقال من مسافة آمنة. حين يصبح الإعجاب بالقدرة على التحمّل نهاية الموقف، يُترك الفلسطيني مع العبء نفسه، مضافًا إليه واجب ألّا يتعب على نحو يخيّب الصورة التي أحبّها الآخرون عنه. كأنّ الاعتراف بإنسانيّته يتوقّف على قدرته الدائمة على تجاوز حدودها.في هيئة البنت المصنوعة من الشاش ما يعيد التعب إلى مكانه، ويمنحه حقّ الظهور. فالضمادة تشير إلى عنايةٍ احتاجها الجسد، وإلى هشاشة تستحقّ الحماية. لا ينبغي لكلّ ألم أن يقدّم برهانًا على بطولة صاحبه كي يؤخذ مأخذ الجدّ. ثمّة حقّ أبسط، أن تُصان الحياة قبل أن تُستخرج من احتمالها حكمة، وأن يُسمع المتألّم حين يقول إنّه لم يعد يستطيع.وفي ظل هذا الإنهاك، حضرتني أمام العمل عبارة إبراهيم نصر الله: «ها أنا بئرٌ عميق من دموع الشوق تملؤه عيون الراحلين». استوقفتني العيون التي تملأ البئر؛ كأنّ من رحلوا تركوا في الباقي قدرتهم على النظر، وصار عليه أن يرى العالم بعينيه وعيونهم. تتكاثر داخله مشاهد لن يشهدوها، وأيّامٌ كان ينبغي أن يكون لهم فيها مكان. يمرّ الوقت، وتظلّ الحياة تتيح أسبابًا جديدةً للاشتياق، خبرٌ يعرف من كان سيفرح به، وطريقٌ يتذكّر من مشى معه فيه، وتفصيلٌ صغير يعيد الغياب كاملًا.للبئر عمقٌ يتعذّر تقديره من سطحها. قد يبدو الإنسان منشغلًا بما يفعله، حاضرًا في حديثٍ عابر، فيما تستقرّ فيه حيواتٌ انقطعت وما زالت تطلب تتمّتها. وفي دوّامة الفقد الفلسطيني، تتزاحم هذه التتمّات المؤجّلة؛ يأتي غيابٌ جديد قبل أن يجد الغياب السابق لغته، ويضيق الوقت المتاح للحزن فيما يتّسع ما ينبغي الحزن عليه. تُستنزف القدرة على منح كلّ راحلٍ وداعه، وعلى استيعاب أنّ وجهًا آخر صار من الذاكرة. وربّما لهذا رأيت في طبقات الشاش ما يشبه تراكم الغائبين في الأحياء، حضورًا يدخل في تكوينهم، ويلازمهم حتى حين لا يتحدّثون عنه.ثم جاءت عبارة محمود درويش: "يا قُبلة نامت على سكين". ما أوجع فعل النوم هنا؛ تلك الثقة التي يرخي بها الكائن دفاعه، ويترك ثقله لموضعٍ يفترض أنّه سيحمله. قبلةٌ تستريح على ما يستطيع جرحها. ومن هذا التجاور قرأت هشاشة الطمأنينة في حياةٍ يُهدَّد فيها كلّ ما يستحقّ المحبّة. يصبح الاقتراب مجازفةً، ويجد الإنسان نفسه مأخوذًا إلى ما يخشى فقدانه؛ يحبّ المكان، ويعرف أنّ المكان قد يُنتزع منه، ويتعلّق بالوجه فيما يعجز عن ضمان يومٍ آخر له.وتتسرّب الحسرة من هنا إلى اللحظة قبل انقضائها. ينظر المرء إلى أحبّته، فيحاول أن يحفظ من ملامحهم أكثر ممّا يحتاجه لقاءٌ عادي؛ يصغي كأنّه يدّخر الصوت، ويتأخّر في الوداع لأنّه يعرف ما قد تختبئ فيه الكلمة. يعتدي العنف بذلك على الحاضر نفسه، حين يجعلنا نعيشه وفي داخلنا استعدادٌ لرثائه. تلك، بالنسبة إليّ، بعض حدّة السكين تحت القبلة؛ أن تُحمَّل المحبّة معرفةً لا ينبغي لها أن تحملها، وأن يحتاج الإنسان إلى الشجاعة كي يسمح لنفسه بالاطمئنان.
بين بئر نصر الله وقُبلة درويش، بقيت هيئة البنت المصنوعة من الشاش أمامي. جسدٌ تتداخل فيه الحاجة إلى العناية مع أثر الإصابة، ويتيح نسيجه الهشّ أن نفكّر في مقدار ما يحمله الإنسان وهو يبدو واقفًا. وربّما كان هذا أعمق ما أخذته من عمل العزيز، أنّ وقوف الجسد لا يخبرنا وحده بما بقي له من قدرة، وأنّ الذين يعودون إلى أماكنهم قد يحتاجون طويلًا إلى من يعينهم على الوصول.جسدٌ من مادّة أُعدّت للعناية بالجسد، تحيط به طبقاتٌ من المادّة نفسها. بدا لي أنّ العمل يتركنا أمام مسؤولية تتجاوز تأمّل الجراح؛ ماذا نفعل بمعرفتنا أنّ إنسانًا يُصاب فيما لا يزال يداوي إصابته السابقة؟قد يعود إلى النقطة التي خرج منها. وقد يجد من يقول إنّه عاد، أخيرًا، إلى مكانه. لكنّ المكان لا يعيد إليه من فقدهم، ولا يستردّ عنه الخوف الذي تعلّمه في الطريق. وتبقى للعودة بقيّةٌ لا تستطيع الجغرافيا إنجازها؛ أن يصبح البقاء ممكنًا، من دون أن يقضي الإنسان عمره كلّه في تضميد ما يتيح له أن يبقى.وكلّما ظننّا أنّ بقيّة العمر ستتّسع لمداواة ما حدث، حدثَ من جديد.