في فضاء الرياضة المعاصرة وتحولاتها المليارية، تبرز معضلة تنظيمية بالغة الحساسية تتعلق بالمعايير الحاكمة لاختيار قيادات الاتحادات الرياضية الوطنية؛ إذ تتمحور هذه المعضلة حول الموازنة بين "الشكليات البروتوكولية" و"الكفاءة الإستراتيجية الحقيقية". ولعل أبرز تجليات هذا الصراع التنظيمي هو اشتراط إتقان اللغة الإنجليزية كمعيار إلزامي للترشح لرئاسة بعض الاتحادات المحلية، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤل بنيوي: هل تحولت هذه الشروط إلى أدوات تعجيزية تساهم في إقصاء الكفاءات الوطنية الفذة وتكبيل المشاريع الرياضية الكبرى، أم أنها متطلب حتمي تفرضه العولمة الرياضية؟ إن القراءة المتأملة لطبيعة المشاريع الرياضية والخطط طويلة الأجل تؤكد أن لغة كرة القدم الإدارية والفنية هي علم قائم بذاته، يرتكز على فهم عميق للبيئة المحلية، والقدرة على بناء الأكاديميات، واستشراف الخطط الزمنية، وإدارة الأزمات، ورسم الرؤى الوطنية التحولية. هذه المهارات القيادية المعقدة والمواهب الإستراتيجية لا ترتبط بأي حال من الأحوال بالقدرة على التحدث بلغة أجنبية بطلاقة؛ فصناعة النهضة الرياضية وصياغة الإستراتيجيات المستدامة تحتاج إلى عقول عركت الميدان وعاشت تفاصيل اللعبة، وتملك الكفاءة الإدارية لتطوير المنظومة، وهو ما لا تمنحه شهادات اختبارات اللغات الأجنبية. وعندما تُقدَّم الشكليات اللغوية على الجوهر القيادي، يقع العمل الرياضي في فخ إقصاء طاقات وطنية نوعية تملك الحلول والخطط الواقعية، لمجرد عائق شكلي ليس له تأثير حقيقي في بيئة العمل الفنية والإدارية داخل الوطن. المفارقة الكبرى تظهر عند تفكيك الهيكل التنظيمي للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، حيث نجد أن المرجعية الرياضية الأعلى في العالم لا تشترط على رؤساء الاتحادات الوطنية اجتياز أو إتقان اللغة الإنجليزية كشرط للترشح أو قيادة المنظومة؛ فالفيفا يترك صياغة الشروط واللوائح الداخلية للأنظمة الأساسية لكل اتحاد محلي بما يتوافق مع بيئته وقوانين بلاده. وفي المقابل، يحصر الفيفا اشتراط اللغة الإنجليزية وبدقة في مسارات معينة تتطلب ذلك حتماً؛ مثل "الحكام الدوليين" نظراً لطبيعة التواصل التقني اللحظي مع غرف المساعدين (VAR) أثناء المباريات. هذا الفصل الذكي من الفيفا يبرهن على أن القيادة الإستراتيجية الكبرى تُقاس بمؤشرات الأداء والإنجاز، وليس بطلاقة التعبير بلغة أخرى. وفي ذات السياق الدولي، يظهر بوضوح أن الفيفا يعتمد فلسفة التعددية اللغوية كأداة لتمكين القيادات الإدارية حول العالم، وجاء الاعتراف التاريخي باللغة العربية لغة رسمية داخل الفيفا في عام 2022 ليعزز هذا التوجه بشكل قاطع؛ فقد انضمت لغة الضاد إلى اللغات التاريخية الكبرى في المنظمة لتصبح شريكاً رسمياً في صياغة اللوائح، والوثائق، والترجمة الفورية في مؤتمرات الكونغرس الدولية. هذا الاعتماد الرسمي يمنح أي رئيس اتحاد عربي الشرعية القانونية الكاملة والمكانة الأدبية الرفيعة للتخاطب بلغته الأم في المحافل الدولية، مجهضاً أي ذريعة محلية تحاول فرض لغة أجنبية كشرط للتمثيل الخارجي والنجاح الدولي. علاوة على ذلك، فإن الإدارة التنفيذية الحديثة في كبرى المؤسسات الرياضية العالمية تجاوزت تماماً هذه الحواجز اللغوية عبر مأسسة العمل الاحترافي؛ فالعديد من رؤساء ومسؤولي الاتحادات العريقة في أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وشرق آسيا، يقودون دفة النجاح التاريخي لرياضات بلدانهم بلغاتهم الوطنية الأصلية. وتعتمد هذه الاتحادات على منظومة احترافية متكاملة من المتحدثين الرسميين، والإداريين التنفيذيين، والمترجمين القانونيين المؤهلين لإدارة المؤتمرات الصحفية، وصياغة العقود، وإدارة العلاقات الدولية بشكل يضمن الدقة التامة ويمنع أي تأويلات خاطئة. إن دور الاشتراطات في لوائح الانتخابات الرياضية يجب أن يرتقي ليركز على عمق الكفاءة، وواقعية الخطط، والقدرة على صناعة الرؤى القابلة للتنفيذ، بدلاً من التمسك بقيود تعقد المشهد الرياضي وتعيق الكفاءات الوطنية وتمنعها من تمثيل وطنها وتطوير رياضته، متناسية أن الإنجاز في الملعب وفي غرف التخطيط يتحدث لغة واحدة عالمية، وهي لغة العمل الجاد، والتطوير المستدام، وتحقيق البطولات. ويبقى السؤال الأهم: بعد اعتماد "العربية" في الفيفا، ما قيمة فرض الإنجليزية على رؤساء الاتحادات؟ سامر الشاماني