«العدالة في مواجهة المشانق الرقمية».. ندوة بمعرض دمنهور للكتاب تناقش تأثير الرأي العام في مسار العدالة

شهد معرض دمنهور التاسع للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب بمكتبة مصر العامة بدمنهور، تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، ندوة بعنوان «العدالة في مواجهة المشانق الرقمية: من صفية السادات إلى نيرة أشرف»، تناولت كتاب «هراء الرأي العام» للمستشار بهاء المري، رئيس محكمة جنايات القاهرة، بمشاركة الدكتور محمد عبد الحميد خليفة، أستاذ الأدب والنقد بكلية التربية جامعة دمنهور، وأدارها الدكتور محمد أبو علي.

وشهدت الندوة، حضورًا لافتًا من الحقوقيين والإعلاميين والمثقفين، حيث امتلأت قاعة المؤتمرات بمكتبة مصر العامة، وسط اهتمام كبير بالقضايا التي يطرحها الكتاب، وفي مقدمتها العلاقة بين الرأي العام والعدالة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الأحكام والانطباعات تجاه القضايا والأشخاص.

وتناول المستشار بهاء المري مفهوم «المشانق الرقمية»، موضحًا أن العدالة لا ينبغي أن تخضع لمنطق التريندات أو عدد الإعجابات والمشاركات، وإنما تستند إلى القانون والأدلة والإجراءات القضائية. وأكد أن التحولات الرقمية فرضت تحديات جديدة أمام منظومة العدالة، بعدما أصبح الرأي العام قادرًا على إصدار أحكام سريعة قبل اكتمال التحقيقات أو صدور الأحكام القضائية.

واستعرض المري، خلال الندوة، أبرز الأفكار التي يتناولها كتابه «هراء الرأي العام»، وفي مقدمتها مفهوم «الهراء الثقافي»، الذي يصف نمطًا من إنتاج المعنى داخل المجال العام، تتأسس فيه شرعية الأفكار والسرديات على كثافة تداولها والانفعال الجمعي تجاهها، أكثر من اعتمادها على التحقق والأدلة.

وأوضح أن «الهراء الثقافي» يختلف عن الوهم والشائعة والتضليل؛ فالوهم قد يكون خطأ معرفيًا فرديًا، بينما تمثل الشائعة محاولة لسد فجوة معرفية، في حين يفترض التضليل وجود قصد مسبق، أما الهراء الثقافي فقد ينشأ من مساهمات متفرقة لأفراد يتصرفون بحسن نية، لكنه يتحول تدريجيًا إلى حقيقة اجتماعية مستقرة يصعب تصحيحها حتى بعد ظهور الأدلة التي تنفيها.

وأشار إلى أن خطورة الظاهرة تكمن في كونها خللًا بنيويًا في آليات إنتاج المعنى داخل المجتمع، الأمر الذي يجعل دحضها أكثر صعوبة من مواجهة الكذب الصريح، إذ يمكن تفنيد الكذب بالأدلة، بينما تتطلب مواجهة الهراء الثقافي تفكيك منظومة كاملة من التصورات والمشاعر والتأويلات التي ترسخت لدى الجمهور.

وأكد المري أن أهمية كتاب «هراء الرأي العام» تنبع من كونه يتناول ظاهرة الرأي العام من منظور قانوني واجتماعي وتاريخي، مستفيدًا من تجربة صاحبه داخل المؤسسة القضائية، ويبحث في ظواهر متعددة، من بينها الشائعات والأخبار الزائفة وخطاب الكراهية والتضليل الإعلامي، محاولًا تفسير أسباب انتشار بعض الأفكار رغم عدم صحتها، وصعوبة تصحيح المعلومات المضللة بعد انتشارها.

وتوقف المستشار عند قضيتين ارتبطتا بتشكيل الرأي العام، هما قضية صفية السادات في مطلع القرن العشرين، وقضية نيرة أشرف عام 2022، موضحًا أن الوسائط تغيرت عبر الزمن، من الصحافة الورقية إلى المنصات الرقمية، كما تغيرت سرعة تداول المعلومات من أسابيع إلى ساعات، لكن آليات تشكل الرأي العام ظلت متشابهة؛ إذ تبدأ بواقعة أو حالة غموض، ثم تنتشر الشائعة والتأويلات، قبل أن تتشكل صورة رمزية تؤدي إلى انقسام اجتماعي ورأي عام ضاغط.

وأكد أن التحدي الحقيقي لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالسلوك الجمعي وطريقة تعامل الأفراد مع المعلومات، خاصة في ظل السرعة الكبيرة التي تتيحها المنصات الرقمية في نشر الأخبار والتعليقات والأحكام المسبقة.

من جانبه، تناول الدكتور محمد عبد الحميد خليفة الأبعاد الأدبية والثقافية والتربوية للقضية، مؤكدًا أهمية تنمية الوعي النقدي لدى الطلاب والشباب، وتعزيز قدرتهم على التحقق من المعلومات وعدم الانسياق وراء المحتوى المتداول لمجرد انتشاره.

وأدار اللقاء الدكتور محمد أبو علي، الذي قدم قراءة موجزة في أفكار الكتاب، وأدار حوارًا حول العلاقة بين الرأي العام ومنظومة العدالة، وسط تفاعل كبير من الحضور ومداخلات ناقشت التحديات التي تفرضها المنصات الرقمية على الخصوصية واستقلال القضاء.

واختُتمت الندوة بالتأكيد على ضرورة تعزيز الوعي القانوني والإعلامي والرقمي، وترسيخ احترام الأحكام القضائية، وعدم تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لإصدار الأحكام أو ممارسة الضغط على المؤسسات القضائية، بما يسهم في حماية المجتمع والخصوصية وصون مبادئ العدالة وسيادة القانون.