العجمي.. وتحقيق التراث – خالد الأنصاري

إنَّ للتراث العلمي رجالاً يفتشون عن كنوزه، ويعيدون إلى القارئ نصوصًا طال احتجابها، ويصلون حاضر العلم بماضيه؛ وفي خزائن التراث الإسلامي كتبٌ حفظت علم أصحابها، لكنها لا تبلغ القارئ دائمًا في صورةٍ تُمكّنه من الانتفاع بها؛ فقد يحجبها خطُّ ناسخ، أو يغيّر معناها تصحيف، أو تظلّ حبيسة نسخةٍ لا يعرف مكانها إلا القليل؛ من المعتنين بذلك.

وهنا تظهر منزلة المحقّق البارع: والذي يفتش عن الأصول، ويحافظ على التراث؛ ويقابل النسخ، ويتثبت من الألفاظ، ويصل النصَّ بما يعين على فهمه، ثم يقدّمه للناس أمينًا على ما قاله مؤلفه.

وهذه مهمة العلماء والمحققون حُرّاسُ التراث الإسلامي؛ يصونون نصوصه من التحريف، ويضبطون نقوله، ويحيون ذخائره، ويصلون الأجيال بميراث أسلافها.

ومن هؤلاء العلماء المشتغلين بهذه الخدمة العلمية الجليلة؛ المحقق الدكتور محمد بن ناصر العجمي، علّامة الكويت والذي عرف بغزارة إنتاجه بين التأليف والتحقيق، وبعنايته في خدمة التراث الإسلامي؛ وإحياء آثار العلماء؛ والتعريف بتراجمهم وسيرهم؛ وفاءً لأهله، وأداءً لأمانة العلم؛ ولسان الحال يقول له:

فقد تنوّعت أعماله بين تحقيق كتب الحديث والتراجم والرحلات، والتأليف في سير العلماء؛ وتقييد أخبارهم، ونقل فرائدهم؛ ووصف مجالسهم.

ويظهر من مؤلفاته الكثيرة النافعة أن عنايته بالتراث لا تقف عند عشقه للكتب والمخطوطات، بل تمتد إلى إبراز ما فيها من علمٍ ومنهجٍ وصورٍ للحياة العلمية.

وتكشف عناوين أعماله المطبوعة عن اتساع هذه العناية؛حيث حرص على تراث المدرسة التيمية؛ بتحقيق بعض من آثار الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت795هـ) -رحمه الله- ومن ذلك كتاب «بيان فضل علم السلف على علم الخلف» و كتاب «نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس».

وفي الجمع بين هذين الكتابين ملمحٌ جدير بالتأمل: فأولهما يفتح باب النظر في حقيقة العلم النافع، وثانيهما يقف مع وصية نبوية جليلة تجمع أصولًا من الإيمان والتوكل وحسن الصلة بالله عزوجل.

وبهذا يتصل تحقيق النص بغاية العلم؛ فليس المقصود أن يُقرأ كلام العالم فقط، بل أن يُفهم مراده، ويُنتفع به في بناء العقل والقلب.

وفي خدمة السنة النبوية ورجالها حقق للحافظ العلامة ابن ناصر الدين الدمشقي (ت842هـ) -رحمه الله- كتاب «التنقيح في حديث التسبيح» ويليه كتاب «تحفة الأخباري بترجمة البخاري».

كما حقق كتاب «عادات الإمام البخاري في صحيحه» للعلامة الشيخ عبد الحق الهاشمي (ت1392هـ) -رحمه الله- وهو كتاب يُعين قارئ «الجامع الصحيح» على إدراك شيءٍ من طريقة الإمام البخاري -رحمه الله- في تصنيفه.

وهذه الأعمال، وإن اختلفت موضوعاتها، تلتقي عند خدمة الحديث: شرحًا لنصه، وتعريفًا بإمامه، وكشفًا عن منهج أحد أجلّ مصنفاته.

ولشيخنا عنايةٌ ظاهرة بتراث العلامة جمال الدين القاسمي (ت1332هـ) -رحمه الله- وصلة بآثاره؛ فمن الكتب التي حققها: كتاب «رحلتي إلى البيت المقدس» و كتاب «رحلتي إلى المدينة المنورة».

والرحلة العلمية ضربٌ من التأليف تتجاوز قيمته وصف الطريق والبلدان؛ إذ تحفظ أسماء من لقيهم صاحبها، والكتب التي وقف عليها، والمكتبات التي قصدها، وما كان يشغل فكره في أثناء سفره. وفي رحلة القاسمي إلى المدينة، مثلًا، تبدو عنايته بمكتباتها ومخطوطاتها جزءًا حيًّا من سيرته العلمية؛ فإذا أُحسن إخراج الرحلة، أمكن للقارئ أن يرى العالم في حركته وقراءته، كما عرفه في كتبه وآرائه.

وألّف شيخنا كتاب عَنونهُ بـ«إمام الشام في عصره جمال الدين القاسمي».

وفي هذه الأعمال حفظٌ لصفحات من حياة العلماء ورحلاتهم، وإبرازٌ لصلتهم ببيئاتهم العلمية.

ثم تأتي عنايته بتدوين ما أدركه بنفسه، كما في كتابه «الإفادات والحكايات والإنشادات مما رويته وسمعته من العلماء والأدباء في الحضر والرحلات».

ولتقييد هذه المجالس شأنٌ يعرفه من خبر تراجم العلماء؛ فكم من فائدةٍ تُقال في مجلس ثم تغيب بذهاب أهله، وكم من موقفٍ صغير يكشف من خلق العالم وطريقته في التعليم ما لا يُستفاد من تعداد مؤلفاته؛ وفي هذا المعنى يصدق قول الشاعر:

ولعل ما يجمع هذه الأعمال كلَّها هو الأمانة للنص وأهله. فالمحقق الحاذق يعرف أن المخطوط ليس مادةً يُصلحها على حسب ذوقه؛ إذا اختلفت نسخه بحث ورجّح وبيّن، وإذا أشكلت عبارةٌ استعان بسياقها ومصادر مؤلفها، وإذا عرض له خطأٌ ظاهر عالجه بما تقتضيه قواعد التحقيق. ومن حق القارئ عليه أن يميّز له بين لفظ المؤلف وما أضافه هو من شرحٍ أو تعليق؛ وتلك أعمالٌ قد لا يراها من يفتح الكتاب في صورته المطبوعة، لكنها مما تقوم عليه الثقة بهذه الصورة.

ومن هنا تُعرف قيمة نشر التراث: إنه يتيح للنص القديم أن يدخل مجال الدرس من جديد؛ فيقرأه طالب العلم، ويناقشه الباحث، ويصل به المتخصص إلى ما كُتب قبله وما كُتب بعده.

وقد لخّص المتنبي أُنس القارئ بالكتاب في قوله:

غير أن وراء الكتاب الذي يحسن مجالستُه جهودًا صابرةً بذلها مؤلفٌ وناسخٌ ومحققٌ وناشر؛ ولكلٍّ منهم نصيبٌ من فضل وصول العلم إلى قارئه.

وقد تفضّل عليّ أبا ناصر، بإهدائي كتاب «الواردات والسوانح العلمية» للعلامة القاسمي -رحمه الله- في مجلدين، ونسخةً من الطبعة المنقّحة من ثَبَته «الإسعاد في مدارج الإسناد» فاجتمع في إهدائه نفائسُ العلم ووشائجُ الرواية؛ وصدَّر كتابَ القاسمي بمقدمةٍ نفيسة، راقية العبارة، رائقة البيان، بلغت مئتين وأربعين صفحة؛ وهي بما حوته من مادةٍ علمية جديرةٌ بأن تُفرد في كتابٍ مستقل.

وجاء ثَبَتُه موثِّقًا لصلاته العلمية وأسانيده إلى أهل العلم ومصنّفاتهم، في عنايةٍ تصل حاضر العلم بماضيه، وتحفظ سلاسل تلقّيه.

وأشكر له كريم إهدائه، وبارك الله في علمه وجهوده في خدمة التراث وإحياء آثار أهله:

إن استعراض هذه النماذج يذكّر بقدر الجهد الذي يقف وراء الكتاب المحقَّق: بحثٌ عن النص، وعنايةٌ بضبطه، وتعريفٌ بمؤلفه، حتى يصل إلى القارئ أقربَ إلى الصورة التي أرادها صاحبه.

وقد أسهم شيخنا محمد العجمي بما نشره وألّفه، في إتاحة نفائس ينتفع بها طالب العلم والباحث؛ وهذه مجرد إلماحة لا حصرٌ لما ألّف وحقق؛ وفيها ما يدعو إلى تقدير جهده في خدمة نصوصٍ؛ تتصل بالعلم الشرعي؛ والسنة النبوية، وسير العلماء، وأخبار رحلاتهم.

فجزاه الله خيرًا على ما بذل، وبارك في علمه وعمله، ونفع بما نشره من كتب وأبحاث جميع طلابَ العلم والباحثين.

تحقيقُ التراث وفاءٌ لأهله، وأمانةٌ في نقله إلى الأجيال؛ وكلُّ كتابٍ يُخدم بعلمٍ وصبرٍ يفتح بابًا جديدًا للانتفاع به.

إنَّ للتراث العلمي رجالاً يفتشون عن كنوزه، ويعيدون إلى القارئ نصوصًا طال احتجابها، ويصلون حاضر العلم بماضيه؛ وفي خزائن التراث الإسلامي كتبٌ حفظت علم أصحابها، لكنها لا تبلغ القارئ دائمًا في صورةٍ تُمكّنه من الانتفاع بها؛ فقد يحجبها خطُّ ناسخ، أو يغيّر معناها تصحيف، أو تظلّ حبيسة نسخةٍ لا يعرف مكانها إلا القليل؛ من المعتنين بذلك.

وهنا تظهر منزلة المحقّق البارع: والذي يفتش عن الأصول، ويحافظ على التراث؛ ويقابل النسخ، ويتثبت من الألفاظ، ويصل النصَّ بما يعين على فهمه، ثم يقدّمه للناس أمينًا على ما قاله مؤلفه.

وهذه مهمة العلماء والمحققون حُرّاسُ التراث الإسلامي؛ يصونون نصوصه من التحريف، ويضبطون نقوله، ويحيون ذخائره، ويصلون الأجيال بميراث أسلافها.