العبقرية السعودية بين الدبلوماسية الوقائية وإدارة مخاطر الأزمات اللوجستية – الفريق/ سعد بن عبدالله  التويجري

لا يعتبر مضيق هرمز مجرد ممر بحري عادي، بل هو أحد أهم صمامات ضغط الاقتصاد العالمي وأهم ممر بحري للطاقة في العالم، فالإحصائيات تشير إلى أن برميلا من كل خمسة براميل يستهلكها العالم يمر من خلال مضيق هرمز، وكذلك فإن ربع تجارة النفط البحرية العالمية تعتمد عليه، ونسبة لا يستهان بها من إمدادات آسيا الصناعية تمر عبره، وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمشتقات، أي ما يُقارب خمس الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، إضافة إلى نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، ولا تتوقف الأهمية عند النفط وحده فالمضيق يمر عبره ما يقارب 20 % من التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى كميات ضخمة من المنتجات البتروكيماوية والأسمدة المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي العالمي، ولهذا فإن أي اضطراب في الملاحة لا ينعكس على أسعار الوقود فقط، بل يمتد أثره إلى تكاليف الصناعة والزراعة والطب والنقل وسلال الإمداد العالمية.

دولياً، لا يُنظر إلى أزمة المضيق بوصفها مشكلة إقليمية، بل بوصفها تهديداً مباشراً لنسيج متداخل من المصالح الاقتصادية والصناعية والطبية والغذائية والأمنية في العالم أجمع. وحينما تصاعدت التوترات التي هددت حركة الملاحة في المضيق، تولد قلق دولي من احتمال انقطاع أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، ومع ارتفاع المخاطر بدأت المؤشرات الاقتصادية بالاستجابة فوراً، فقد وثقت تقارير «رويترز» وشركات الملاحة العالمية تغيرات في مسارات الناقلات التجارية، بينما أظهرت بيانات «لويدز ماركت إنتليجنس» (Lloyd»s Market Intelligence) ارتفاعاً حاداً في تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب، في انعكاس مباشر لحجم القلق الذي أصاب الأسواق العالمية من احتمال تعطل الشريان التاجي للاقتصاد العالمي.

في المنعطفات الحرجة لا تنكشف مواطن الضعف وحدها، بل تتضح عمق البنية التحتية وفعالية التخطيط الاستباقي لاستقراء المستقبل واستثماراته طويلة الأمد.

ففي الوقت الذي كانت أنظار العالم تتجه فيه نحو منعطف أزمة إغلاق مضيق هرمز، كانت المملكة العربية السعودية كعادتها تتصرف بروية وحكمة، وتعمل وفق الخطط الاستباقية والمصدات اللوجستية التي شيدتها عبر عقود من البناء التراكمي المستدام، وطورتها برؤية 2030 الثانية والتي استبقت تحولات المستقبل، وسعت التشغيل منظومة واسعة من البدائل الاستراتيجية التي لم تبن كردة فعل للأزمة، بل جسدت الاقتدار السيادي للإدارة السعودية في احتواء المتغيرات وتوجيهها وفق رؤية استباقية نافذة وثاقية، وسياسة حكيمة تستهدف تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الجغرافية والاستثمارية، وتعزز تنوع الاقتصاد ومرونة سلاسل الإمداد. ومع إغلاق مضيق هرمز أصبح الاقتصاد العالمي يواجه تهديداً خطيراً في عمق هذه الأزمة المعقدة، وبرزت الدولة السعودية كقوة استباقية قادرة وبجدارة على تحييد المخاطر ومحاصرتها، وتحويل التهديدات الجيوسياسية إلى قصة نجاح سياسي، إداري، لوجستي، إنساني من خلال هندسة بدائل مرنة، وقيادة سوق النفط بحكمة. وتفعيل منظومة أمن صحي وغذائي عابرة للحدود، وأثبتت الرياض أن دورها يتجاوز كونها مصدراً رئيسياً للطاقة لتصبح بعد فضل الله تعالى ومنته صمام أمان حمى تدفقات التجارة وصحة الإنسان وسلامته واستقراره من تداعيات الشلل الملاحي. ونجحت في تفعيل منظومة حيوية حاصرت الأزمة لوجستيا وأمنياً واقتصادياً لضمان استمرارية توازن واستقرار الاقتصاد العالمي.

أتي في مقدمة هذه المنظومة الحيوية خط أنابيب (الشرق - الغرب) بترولاين الممتد لأكثر من 1200 كيلو متر من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تشغيلية تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً. ووفق بيانات SالجزيرةP Global Bloomberg NEF» و«Commodity Insights» لم يكن هذا الخط خلال الأزمة مجرد وسيلة نقل نفط، بل تحول إلى أحد أهم أدوات إدارة المخاطر الجيوسياسية في قطاع الطاقة العالمي، إذ وفر للأسواق منفذاً قلص من صدمة الخسائر الجسيمة على جميع الأصعدة. كما أظهرت بيانات تتبع الشحنات التي نشرتها « رويترز « ارتفاع صادرات وقود الطائرات السعودية المتجهة نحو أوروبا عبر البحر الأحمر إلى ما بين «118 ألفاً و140 ألف» برميل يومياً في مؤشر على قدرة الدولة السعودية على إعادة توجيه التدفقات التجارية الطاقية بسرعة وكفاءة احترافيه للحفاظ على استقرار الإمدادات.

وعلى الجانب التجاري كانت الصورة أكثر اتساعاً، فقد أشارت تقارير Reuters Logistics»، و«SالجزيرةP Global Shipping Intelligence» إلى أن جزءاً من التدفقات التجارية في المنطقة اتجهت نحو الموانئ السعودية على البحر الأحمر خلال فترات الاضطراب، قبل إعادة توزيعها عبر المسارات اللوجستية والطرق البرية إلى مختلف الأسواق الخليجية والإقليمية.

وبحسب ما ذكرت بيانات الهيئة العامة للموانئ السعودية فقد تعاملت الموانئ السعودية خلال عام 2025 مع أكثر من 242 مليون طن من البضائع، ونحو 8.3 مليون حاوية قياسية، وفي الظروف الطبيعية تمثل هذه الأرقام مؤشرات نمو، أما في أوقات الأزمات فإنها تتحول إلى مؤشر على قوة وقدرة الدولة على امتصاص الصدمات واستيعاب التحولات المفاجئة في حركة التجارة الدولية.

وبناء على ذلك، تحولت موانئ البحر الأحمر إلى نقاط ارتكاز وملاذات آمنة لخطوط الشحن العالمية لتفريغ وتخزين وتوزيع البضائع التجارية دون انقطاع، كما اصبحت مستودع عالمي وحافظت على نمو مستمر في حركة المسافنة وإعادة الشحن كمنصة ربط بين القارات حيث تستقبل السفن العملاقة القادمة من آسيا ثم تعيد توزيع حمولاتها إلى سفن أصغر متجهة إلى أوروبا وأفريقيا، مما منع تكدس شحنات المنتجات وحافظ على انسيابية التجارة الدولية.

بالإضافة إلى ذلك، برز دور المملكة الفاعل في تأمين مواد الطاقة والمواد الخام، وتأكيد التدفق السلس والصادرات المستقرة من النفط والغاز والبتروكيماويات والمعادن إلى المصانع والأسواق العالمية، مما أسهم مباشرة في كبح جماح تضخم الأسعار، وحقق استقرار الطاقة التشغيلية للاقتصادات الكبرى، الأمر الذي نقل قدرة الموانئ السعودية من مجرد الاستجابة المحلية لإدارة الأزمات إلى الاضطلاع بدور سيادي في صيانة واستقرار منظومة الملاحة الدولية.

ومن جانب آخر، أسهمت شبكة الطرق السعودية بتوفير منظومة عبور إقليمية متكاملة، حيث أظهرت بيانات وزارة النقل والخدمات اللوجستية أن السعودية استخدمت خلال اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز الشبكة الطرقية كممرات تحويل لوجستي مرتبطة بمسارات محددة بين موانئ البحر الأحمر غرباً ومراكز التوزيع في الرياض وسطاً، ثم امتدادًا إلى موانئ المنطقة الشرقية والمنافذ الخليجية عبر البطحاء، جسر الملك فهد، الخفجي، وسلوى، وتدعم الربط شمالاً مع منفذ الحديثة باتجاه الأردن وما يتصل به من مسارات تجارية إقليمية نحو بلاد الشام، بما يتيح استمرار تدفق جزءاً من الشحنات العابرة خارج نطاق الاختناق البحري، بينما تتصل جنوباً بمنافذ الخضراء والوديعة ضمن نطاق تدفقات إنسانية وتجارية محددة ومرتبطة بالوضع التشغيلي.