أكد أحمد العبدالجبار، المدير العام لشركة إنتل السعودية، أن المملكة انتقلت في مسيرتها التقنية من مرحلة تبني التكنولوجيا والاستثمار فيها إلى مرحلة أكثر تقدماً تتمثل في بناء القدرة المحلية على تطوير الذكاء الاصطناعي وتحويله إلى حلول ومنتجات قابلة للتوسع. وقال في حوار مع «الرياض» إن السؤال المطروح اليوم لم يعد: «هل نستثمر في الذكاء الاصطناعي؟»، لأن المملكة حسمت هذا الخيار منذ سنوات، وإنما أصبح: «من يملك القدرة على تطويره وبنائه وتوسيع أثره؟». وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستُقاس بقدرة المنظومة التقنية السعودية على نقل الحلول من التطوير والاختبار إلى التطبيق التجاري، وبعدد الكفاءات الوطنية القادرة على بناء هذه الحلول وتشغيلها، مؤكداً أن إنتل، بعد 25 عاماً من العمل في السوق السعودية، تتجه إلى مرحلة جديدة تقوم على بناء القدرات المحلية وربط البنية التحتية بالمهارات والتصنيع والابتكار. • كيف تصفون التحول الذي تشهده المملكة اليوم في مجال الذكاء الاصطناعي؟ لم تعد المملكة في موقع من ينتظر التكنولوجيا أو يكتفي باستيرادها، بل أصبحت تتجه بصورة متزايدة إلى بناء قدراتها التقنية بنفسها. وهذا هو التحول الجوهري الذي أراه يتبلور عاماً بعد عام. لقد انتقلنا من مرحلة الطموح والاستثمار في التقنية إلى مرحلة بناء القدرة الفعلية على تطوير الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في القطاعات ذات الأولوية. ولذلك، لم يعد السؤال بالنسبة إليّ: هل ستستثمر المملكة في الذكاء الاصطناعي؟ فهذا السؤال حُسم منذ سنوات. السؤال الأهم اليوم هو: من يمتلك القدرة على تطوير الذكاء الاصطناعي وبنائه وتوسيع أثره؟ وكيف تستطيع المملكة تحويل استثماراتها إلى حلول محلية تخدم قطاعاتها الحيوية وتعزز تنافسيتها الاقتصادية؟ • وماذا يعني هذا التحول عملياً بالنسبة إلى شركات التقنية العالمية العاملة في المملكة؟ يعني أن طبيعة الشراكة نفسها يجب أن تتغير. فالمرحلة المقبلة لا ينبغي أن تُقاس بعدد المؤتمرات أو التصريحات أو مذكرات التفاهم، وإنما بعدد الحلول المحلية التي تنتقل من التطوير والاختبار إلى التطبيق التجاري الفعلي. بالنسبة إلى إنتل، يمتد حضورنا في المملكة إلى نحو 25 عاماً، لكننا لا ننظر إلى أنفسنا بوصفنا مورداً للتقنية فقط، بل شريكاً يعمل على المساهمة في بناء منظومة تقنية متكاملة. وخلال أربعة أيام من LEAP 2026 أعلنا عن ست شراكات جديدة، وهي تعكس اتساع هذا الدور من توفير التكنولوجيا إلى المساهمة في بناء القدرات المحلية التي تستطيع استخدامها وتطويرها. • أعلنتم مبادرة «صُنع في السعودية، وطُوِّر في السعودية، ونُفِّذ في السعودية».. ما الذي يميزها؟ أراها نموذجاً تشغيلياً للمرحلة التالية، وليست مجرد إعلان جديد ضمن سلسلة من الإعلانات. الفكرة تقوم على جمع عدد من العناصر داخل المملكة: خوادم مجمعة محلياً ومدعومة بمعالجات إنتل Xeon 6، وحلول وتطبيقات مطورة محلياً، وكفاءات وطنية تتولى التنفيذ والتشغيل والدعم. بمعنى مباشر، نحن نتحدث عن تكامل التطوير والبنية التحتية والتنفيذ التجاري داخل المملكة. وهذه المبادرة، التي نعمل عليها بالشراكة مع HPE ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، تتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 من حيث ربط التصنيع المحلي بالابتكار التقني وتنمية المهارات، وصولاً إلى بناء قطاعات تقنية قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً. • هل يعني ذلك أن العلاقة بين شركات التقنية العالمية والسوق السعودية تنتقل من «التوريد» إلى «الإنتاج»؟ هذا بالفعل هو الاتجاه. هناك فارق كبير بين أن توفر شركة ما تقنية للسوق وبين أن تساعد على بناء قدرة ذاتية ومستدامة داخل السوق. نحن نعمل مع شركائنا في المملكة حتى تصبح التقنية منصة يبني عليها المطورون والشركات المحلية حلولهم، ثم يستطيعون توسيع هذه الحلول داخل المملكة وخارجها. وعندما يصبح لديك تصنيع محلي، وحلول مطورة محلياً، ومهارات محلية قادرة على التنفيذ والتشغيل، فأنت تنتقل فعلياً من نموذج استهلاك التقنية إلى المشاركة في إنتاج القيمة التقنية. • وكيف تنظرون إلى توسع التصنيع التقني داخل المملكة؟ نراه جزءاً أساسياً من بناء المنظومة. على سبيل المثال، تأتي مساهمة Lenovo ضمن المنظومة الأوسع من الشراكات التقنية والتصنيعية في المملكة، والتي تلتقي مع رؤيتنا لبناء قدرات محلية مستدامة تجمع بين البنية الحاسوبية المتقدمة والمهارات والابتكار والتطبيقات القابلة للتوسع. وخلال LEAP 2026 أعلنت Lenovo عن أول حاسوب محمول مصنع في السعودية، كما تخطط خلال الأشهر المقبلة إلى توسيع الإنتاج المحلي ليشمل أجهزة الحاسب المكتبي ومحطات العمل والخوادم. هذه التحولات مهمة لأنها تجعل التصنيع جزءاً من منظومة الذكاء الاصطناعي، وليس نشاطاً منفصلاً عنها. • أعلنتم ست شراكات خلال LEAP 2026.. ما الرابط بينها؟ ننظر إليها باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة. الشراكات تمتد عبر البنية التحتية والمهارات والحوسبة الطرفية والمدن الذكية والبحث والتطوير. لدينا تعاون مع مجموعة stc وموبايلي في مجالات الحوسبة الطرفية والمدن الذكية، ومع أكاديمية طويق ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في بناء المهارات، ومع Think AI في تطوير بنية تحتية عالية الكفاءة للذكاء الاصطناعي. هذه الشراكات لم تُصمم بصورة منفصلة، وإنما لتغطي معاً العناصر التي تحتاج إليها أي منظومة ذكاء اصطناعي قادرة على النمو: بنية تحتية قوية، ومواهب مؤهلة، وحالات استخدام عملية، وشركاء قادرون على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية. • لكن كثرة الشراكات ومذكرات التفاهم لا تعني بالضرورة تحقيق أثر اقتصادي.. كيف تنظرون إلى ذلك؟ صحيح، ولهذا فإن المعيار الحقيقي ليس توقيع مذكرة تفاهم في حد ذاته، وإنما ما يحدث بعدها. لا يمكن فصل البنية التحتية عن المهارات، ولا المهارات عن التطبيقات التي ستُبنى باستخدامها. ومذكرات التفاهم لا تتحول إلى استراتيجية متكاملة إلا عندما يكون هناك مسار واضح يبدأ بالتطوير، ثم الاختبار، ثم الانتقال إلى بيئات الإنتاج، وبعدها التوسع التجاري. هذا هو المعيار الذي أعتقد أننا يجب أن ننظر إليه في المرحلة المقبلة. • إذا كان عليكم تحديد الأولوية الأولى للمرحلة المقبلة، فما هي؟ المهارات، بلا تردد. الأجهزة والبرمجيات يمكن شراؤها، أما الكفاءات القادرة على بناء الحلول وتطويرها وتشغيلها وصيانتها فلا يمكن شراؤها جاهزة، بل يجب بناؤها على المدى الطويل. ولذلك أعتقد أن موقع المملكة مستقبلاً في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية لن يتحدد بحجم ما تستثمره في المعدات وحدها، بل بعدد الكفاءات الوطنية القادرة على تحويل هذه الاستثمارات إلى منتجات وخدمات وفرص اقتصادية. • وما الذي تقوم به إنتل في جانب بناء هذه الكفاءات؟ هذا هو المنطق الذي تقوم عليه مجموعة من شراكاتنا وبرامجنا. ومن بينها مبادرة الجاهزية الرقمية للذكاء الاصطناعي، بالشراكة مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، والتي تستهدف تزويد 100 ألف مستخدم بالمهارات اللازمة للذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. وجود قدرة حاسوبية متقدمة أمر بالغ الأهمية، لكنه لا يكفي وحده. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تمتلك المؤسسات والشركات والمواهب القدرة على توظيف هذه البنية في تطبيقات عملية ذات أثر واضح. • بعد 25 عاماً من وجود إنتل في السعودية.. كيف تختلف المرحلة الحالية عما سبقها؟ بدأت مسيرة إنتل في المملكة قبل 25 عاماً بحضور تجاري، أما اليوم فنحن ندخل فصلاً مختلفاً. هدفنا هو المساهمة في بناء القدرة المحلية، وربط الابتكار بالتصنيع، وتوسيع قاعدة المهارات، والمساعدة على نقل الحلول من المختبرات وبيئات الاختبار إلى السوق. نريد أن نرى شركات سعودية ومطورين سعوديين يستخدمون هذه التقنيات لبناء منتجاتهم وحلولهم، ثم يستطيعون توسيعها إقليمياً وعالمياً. • أخيراً.. كيف ستقيسون نجاح إنتل في المملكة خلال السنوات المقبلة؟ لن أقيس نجاحنا بحجم التقنية التي نوفرها فقط، وإنما بحجم ما يستطيع شركاؤنا بناءه باستخدامها. سننظر إلى عدد الحلول السعودية التي تصل إلى بيئات الإنتاج، وعدد الكفاءات المحلية التي تستطيع البناء بهذه التقنيات، ومدى قدرة الشركات الوطنية على تطوير حلول قابلة للتوسع داخل المملكة وعبر المنطقة. وهذا هو المعيار الذي أريد أن يُحاسب عليه فريقي في السعودية، وأنا شخصياً: ليس مقدار ما نوفّره من تقنية، بل مقدار ما نساعد المملكة وشركاءنا على بنائه بها.