حين يجتمع قادة العالم في نيويورك هذا الأسبوع، فإنهم لا يدخلون قاعة الأمم المتحدة وهم يحملون ملفات السياسة التقليدية وحدها. هناك الحروب، والحدود، والنفط، والممرات البحرية، والعقوبات، وصراع النفوذ بين القوى الكبرى. لكنها هذه المرة ليست وحدها على الطاولة. فقد جلس إلى جوارها لاعب جديد، لا يملك دولة ولا جيشاً ولا مقعداً في مجلس الأمن، ومع ذلك أصبح قادراً على تغيير الكثير من قواعد اللعبة: الذكاء الاصطناعي.وهنا تكمن المفارقة، فالعالم الذي لم ينجح بعد في إغلاق ملفات حروبه القديمة، وجد نفسه مطالباً بالتعامل مع قوة جديدة تتقدم بسرعة لا تشبه سرعة السياسة ولا التشريع ولا حتى قدرة الحكومات على استيعاب ما يحدث.نحو (130) من رؤساء الدول والحكومات يتجهون إلى اجتماعات الجمعية العامة، بينما تبدو الخريطة الدولية مثقلة بالأزمات. حرب في أوكرانيا دخلت عامها الخامس، وشرق أوسط يعيش واحدة من أكثر مراحله اضطراباً، وممرات بحرية أصبحت جزءاً من المواجهة، وأسواق طاقة وغذاء تتأثر بكل صاروخ وكل تصعيد. وفي الخلفية تقف الأمم المتحدة نفسها أمام أسئلة تتعلق بدورها وتمويلها ومستقبل قيادتها مع اقتراب نهاية ولاية أمينها العام أنطونيو غوتيريش. إنها صورة لعالم مزدحم بالقوة، لكنه فقير في التوافق.عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منصة الأمم المتحدة ستضيف ثقلاً خاصاً إلى الاجتماعات. فواشنطن لا تنظر اليوم إلى المنظمة الدولية بالطريقة نفسها التي كانت تنظر إليها قبل عقود، كما أن حديثها عن خفض الإنفاق وإعادة تقييم الالتزامات يعكس تحولاً أوسع في الطريقة التي تنظر بها القوى الكبرى إلى المؤسسات التي أنشأتها بعد الحرب العالمية الثانية.لكن الأمر لا يقف عند الأمم المتحدة، فخارج القاعة هناك سباق آخر أكثر هدوءاً، وربما أكثر تأثيراً في المستقبل. الولايات المتحدة والصين لا تتنافسان فقط على التجارة والنفوذ والأسواق، بل على الرقائق ومراكز البيانات والنماذج المتقدمة والقدرة الحاسوبية. الذكاء الاصطناعي لم يعد صناعة تقنية فقط. أصبح جزءاً من مفهوم القوة الوطنية.ولهذا يبدو طبيعياً أن يصل إلى مجلس الأمن، فالمجلس يستعد لمناقشة الذكاء الاصطناعي والأمن الدولي، في إشارة واضحة إلى أن المسألة خرجت من حدود شركات التكنولوجيا والجامعات ومختبرات البرمجة، ودخلت مباشرة إلى قلب السياسة الدولية. الحديث الآن يدور حول الاستخدام العسكري، والهجمات السيبرانية، والتضليل، والأنظمة الذاتية التشغيل، والأهم من ذلك كله: ماذا يمكن أن يحدث إذا أصبحت قدرات بعض الأنظمة أسرع من قدرة الإنسان على فهمها أو السيطرة الكاملة عليها؟وهنا ينقسم العالم: هناك من يخشى الذكاء الاصطناعي، وهناك من يخشى أن يؤدي الخوف منه إلى تعطيل التقدم. ترامب يميل بوضوح إلى المعسكر الثاني. فقد قلل خلال الأيام الماضية من حجم بعض التحذيرات، مؤكداً أهمية استمرار الولايات المتحدة في المنافسة والتفوق، في وقت يدعو فيه باحثون ومسؤولون في قطاع التكنولوجيا إلى تعاون دولي أوسع ووضع معايير مشتركة للسلامة.وهذا الخلاف مفهوم، لأن الدولة التي تبطئ تطوير التكنولوجيا تخشى أن يتجاوزها منافسوها، والدولة التي تسرع بلا ضوابط تخشى أن تصل إلى مكان لم تكن مستعدة له. وهكذا يبدأ السباق. كل طرف يعرف المخاطر، لكن لا أحد يريد أن يكون الثاني.ووسط هذا كله، يبقى الشرق الأوسط حاضراً بقوة. ما يجري في المنطقة لم يعد شأناً إقليمياً محصوراً داخل حدودها، فالخليج والبحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز تشكل شرايين الاقتصاد العالمي. وعندما تضطرب المنطقة، تتحرك أسعار الطاقة، وتتأثر سلاسل الإمداد، ويشعر العالم كله بالنتيجة. الأمر نفسه يحدث في البحر الأسود، حيث تحولت الموانئ وخطوط تصدير الغذاء والطاقة إلى جزء من الحرب الروسية الأوكرانية.وهكذا يبدو المشهد في نيويورك مثيراً للتأمل: قادة يناقشون حروباً تُخاض بالدبابات والطائرات والصواريخ، ثم ينتقلون بعد ساعات إلى مناقشة خوارزميات ونماذج ذكاء اصطناعي قد تعيد تعريف الحرب نفسها. العالم يتغير بهذه السرعة، فقبل عقود كان السؤال: من يملك السلاح الأقوى؟ ثم أصبح: من يملك الاقتصاد الأكبر؟واليوم يضاف سؤال جديد: من يملك الذكاء الأقوى؟ وربما يكون هذا هو التحول الأهم في اجتماعات الأمم المتحدة هذا العام. فالحروب الموجودة على جدول الأعمال خطرة، لكنها معروفة الأدوات والخصوم والحدود. أما الذكاء الاصطناعي، فنحن ما زلنا نكتشف حدوده بينما نستخدمه.ولهذا قد تنتهي اجتماعات نيويورك كما انتهت اجتماعات كثيرة قبلها، بخطب طويلة وبيانات واجتماعات مغلقة. لكنّ شيئاً واحداً تغير بالفعل: فلأول مرة تقريباً، يجلس العالم لا يناقش فقط كيف يمنع الإنسان الإنسان من إشعال أزمة جديدة، بل كيف يتعامل مع قوة صنعها الإنسان بنفسه، ثم بدأ يتساءل إلى أين يمكن أن تأخذه. وهذا سؤال قد يكون أكبر من قاعة الأمم المتحدة نفسها.khaledmbz@hotmail.com*دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر