العالم (إيفانز بريتشارد) شيخ «الأنثروبولوجيا البريطانية» ورائد التحول من العلم إلى التاريخ – خالد محمد الدوس

يُعد العالم إيفانز بريتشارد (1902 - 1973) واحداً من أبرز رواد الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية في القرن العشرين. وقد ترك بصمة عميقة في تطوير هذا العلم التراثي التراكمي، ليس فقط من خلال أعماله الإثنوغرافية الرائدة، بل أيضاً من خلال تحوله النظري اللاحق الذي أعاد تعريف حدود العلاقة بين الأنثروبولوجيا والتاريخ.

وُلد العالم الفذ» إيفانز بريتشارد» عام 1902 في مقاطعة ساسكس بإنجلترا، في عائلة دينية بروتستانتية، حيث درس التاريخ الحديث في كلية إكسيتر بجامعة أكسفورد، وقد تأثر بآراء الأنثروبولوجي ر. ر. ماريت، وتخرّج منها عام 1924. ثم انتقل بعدها إلى كلية لندن للاقتصاد لدراسة الأنثروبولوجيا، حيث تتلمذ على يد تشارلز سليجمان وبرونيسلاف مالينوفسكي.

كانت العلاقة بينه وبين مالينوفسكي متوترة، لكن تأثير سليجمان، الذي كان قد بدأ مسحاً إثنوغرافياً في السودان، كان الأعمق على مساره البحثي.

بتوجيه من سليجمان، بدأ إيفانز بريتشارد أولى رحلاته الميدانية في أواخر عام 1926 بين شعب الأزاندي في جنوب السودان، وهي الرحلة التي أثمرت عن أطروحته للدكتوراه عام 1927. تبعتها أبحاث موسعة بين الأزاندي حتى عام 1930. غير أن الحكومة السودانية وجّهته لاحقاً للعمل بين شعب النوير، الذين كانوا قد قاوموا السلطات الاستعمارية للتو. قضى» إيفانز بريتشارد» نحو اثني عشر شهراً بين النوير في الفترة من 1930 إلى 1936، موزعة على عدة رحلات، وهو عمل أفضى إلى ما يُعرف بـ «ثلاثية النوير».

اعتمد «إيفانز بريتشارد» منهج الملاحظة بالمشاركة، مقيماً بين الناس، متحدثاً لغتهم، ومشاركاً إياهم تفاصيل حياتهم اليومية. وقد رفض المنهج المسحي الذي كان سائداً في عصره، معتبراً أن القياسات الجسدية والاستبيانات لا قيمة علمية لها. كان يرى أن الأنثروبولوجي لا بد أن يعيش فكر ومشاعر ثقافة الآخر لكي يفهمها حقاً.

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في الأربعينيات الميلادية، انخرط» إيفانز بريتشارد» في العمل العسكري. فعمل في السودان على تنظيم قوات غير نظامية من الأنواك لمهاجمة الإيطاليين في إثيوبيا، ثم انتقل إلى سوريا وليبيا. في ليبيا، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالبدو والعشائر السنوسية، وهي التجربة التي أثمرت كتابه «السنوسية في برقة» عام 1949. شكّلت هذه التجربة الحياتية منعطفاً مهماً، إذ يرى بعض الدارسين أنها مهّدت لتحوّله الفكري اللاحق واهتمامه بالتاريخ والمقارنة الدينية.

من أهم أعماله: «السحر والعُقّار والسحر عند الأزاندي» (1937)، الذي يُعد مساهمة رائدة في سوسيولوجيا المعرفة من خلال مقاربته المحايدة لمعتقدات الأزاندي حول السببية ، و»النوير» (1940) الذي قدّم فيه تحليلاً لمفهوم «البنية الاجتماعية» بمعنى النمط الثابت للعلاقات بين الجماعات، و»النظام السياسي الإفريقي» (1940) بالاشتراك مع ماير فورتي، و»دين النوير» (1956).

شغل العالم الراحل كرسي «الأنثروبولوجيا الاجتماعية» في جامعة أكسفورد من 1946 إلى 1970 خلفاً لأستاذه الأب الروحي للأنثروبولوجيا الاجتماعية (راد كليف براون)، وكان له تأثير بالغ على أجيال من الباحثين.

في محاضرة ماريت عام 1950، اتخذ» إيفانز بريتشارد» موقفاً حاسماً برفض اعتبار الأنثروبولوجيا علماً طبيعياً، داعياً إلى إدراجها ضمن العلوم الإنسانية وخاصة التاريخ. رأى أن مهمة الأنثروبولوجي الأساسية هي «الترجمة»، ترجمة فكر ثقافة أخرى إلى فكر ثقافته هو، ثم شرحها لأبناء مجتمعه. كما وجّه نقداً لاذعاً للوظيفية البنيوية التي تبنّاها في شبابه، معتبراً أن التجارب التاريخية للناس لا يمكن تجاهلها في التحليل الأنثروبولوجي.

توفي إيفانز بريتشارد في أكسفورد عام 1973، بعد أن نال لقب «السير» عام 1971. يظل إرثه حياً في الأنثروبولوجيا المعاصرة، ليس فقط بفضل ثراء مادته الإثنوغرافية، بل بفضل جرأته النظرية في الانتقال من العلوم الطبيعية إلى العلوم الإنسانية، ومن التزامن إلى التاريخ، ومن الوصف إلى الترجمة. وكما لاحظ أحد زملائه، فإن إسهامه لم يكن مجرد تراكم معرفي، بل كان رؤية متكاملة لطبيعة هذا العلم وحدوده وإمكاناته.

يبقى العالم الراحل (إيفانز بريتشارد) حاضراً في وجدان الأنثروبولوجيا بوصفه معلماً وشيخاً من معالمها الكبرى، لا يُذكر اسمه إلا وتُذكر معه (ثنائية العلم والتاريخ) التي شغلت فكره طويلاً. فقد علم المتخصصين والباحثين أن فهم الإنسان لا يتحقق بالقياس والتكميم وحدهما، بل بالإنصات والتأويل والترجمة الثقافية. ترك خلفه مدرسة في أكسفورد خرّجت أجيالاً حملت لواء الأنثروبولوجيا الاجتماعية في بريطانيا وخارجها. كما أن أعماله عن الأزاندي والنوير ما زالت تُدرّس كنماذج رفيعة للبحث الميداني الأمين. ولم يكن رفضه للوظيفية المتطرفة تراجعاً عن العلم، بل دفاعاً عن إنسانيته وحدوده الأخلاقية. وهكذا يظل إرثه حياً في كل باحث ينزل إلى الميدان متواضعاً، متعاطفاً، ومؤمناً بأن الآخر ليس موضوعاً للدراسة فحسب، بل معيناً للمعرفة الإنساني.

يُعد العالم إيفانز بريتشارد (1902 - 1973) واحداً من أبرز رواد الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية في القرن العشرين. وقد ترك بصمة عميقة في تطوير هذا العلم التراثي التراكمي، ليس فقط من خلال أعماله الإثنوغرافية الرائدة، بل أيضاً من خلال تحوله النظري اللاحق الذي أعاد تعريف حدود العلاقة بين الأنثروبولوجيا والتاريخ.

وُلد العالم الفذ» إيفانز بريتشارد» عام 1902 في مقاطعة ساسكس بإنجلترا، في عائلة دينية بروتستانتية، حيث درس التاريخ الحديث في كلية إكسيتر بجامعة أكسفورد، وقد تأثر بآراء الأنثروبولوجي ر. ر. ماريت، وتخرّج منها عام 1924. ثم انتقل بعدها إلى كلية لندن للاقتصاد لدراسة الأنثروبولوجيا، حيث تتلمذ على يد تشارلز سليجمان وبرونيسلاف مالينوفسكي.

كانت العلاقة بينه وبين مالينوفسكي متوترة، لكن تأثير سليجمان، الذي كان قد بدأ مسحاً إثنوغرافياً في السودان، كان الأعمق على مساره البحثي.

بتوجيه من سليجمان، بدأ إيفانز بريتشارد أولى رحلاته الميدانية في أواخر عام 1926 بين شعب الأزاندي في جنوب السودان، وهي الرحلة التي أثمرت عن أطروحته للدكتوراه عام 1927. تبعتها أبحاث موسعة بين الأزاندي حتى عام 1930. غير أن الحكومة السودانية وجّهته لاحقاً للعمل بين شعب النوير، الذين كانوا قد قاوموا السلطات الاستعمارية للتو. قضى» إيفانز بريتشارد» نحو اثني عشر شهراً بين النوير في الفترة من 1930 إلى 1936، موزعة على عدة رحلات، وهو عمل أفضى إلى ما يُعرف بـ «ثلاثية النوير».

اعتمد «إيفانز بريتشارد» منهج الملاحظة بالمشاركة، مقيماً بين الناس، متحدثاً لغتهم، ومشاركاً إياهم تفاصيل حياتهم اليومية. وقد رفض المنهج المسحي الذي كان سائداً في عصره، معتبراً أن القياسات الجسدية والاستبيانات لا قيمة علمية لها. كان يرى أن الأنثروبولوجي لا بد أن يعيش فكر ومشاعر ثقافة الآخر لكي يفهمها حقاً.