العاطفة اللغوية

شدّ انتباهي في أحد الملتقيات المعنية باللغة العربية تكرار عبارة «العاطفة اللغوية «في أكثر من موضع، فتوقفت عندها طويلًا. أتأمل ذلك المكمن في الأصوات والحروف والتراكيب، وكيف لهذه الكلمات المجردة أن تحمل شيئًا من الوجدان؟ فوجدت أن اللغة أبعد من كونها أداة نتبادل بها المعاني. إنها وعاء المشاعر، والملمح الذي يشي بما تخفيه نفوسنا، والمسافة التي نعبرها من دواخلنا إلى الآخرين. نغضب بها، ونعتذر بها، ونحب بها، ونواسي بها، ونترك في قلب من أمامنا أثرًا قد تصنعه كلمة واحدة. وللكلمة في العربية على وجه الخصوص ظلال تتجاوز معناها المعجمي. كلمة واحدة قد تكون باردة في موضع، دافئة في موضع آخر، وقد تتبدل نبرتها تبعًا لمن قالها، ولمن قيلت، وللحال التي خرجت فيها. فكلمة «أم» مثلًا تؤدي معناها في المعجم، غير أنها حين تخرج في النداء: «يا أمي» تتسع دلالتها حتى تكاد تحمل عمرًا كاملًا من الحنان واللجوء والحنين. وكذلك «يا أبي» قد تحمل في صوت قائلها من الحنين ما تعجز صفحات عن حمله، و«سلام» قد تكون تحية عابرة، وقد تكون وداعًا طويلًا تختبئ وراءه حكاية كاملة. ولعل العاطفة اللغوية تبدأ من هنا؛ من تلك المنطقة الدقيقة التي لا تفصل فيها الكلمة عن إحساس قائلها. فالمعنى الذي نقرأه في القاموس شيء، والمعنى الذي يصل إلى القلب شيء آخر. وبين الاثنين تسكن نبرة، وسياق، واختيار، وإيقاع، وذاكرة. نحن لا نختار كلماتنا دائمًا من المعجم، بل نختارها من ذاكرتنا أيضًا. قد نبحث عن كلمة لأن وقعها علينا يشبه شعورًا نريد قوله، وقد نستبدل لفظًا بآخر لأن أحدهما أرقّ على السمع، أو أعمق في الدلالة، أو أكثر قدرة على ملامسة من نخاطبه. لهذا تبدو اللغة في لحظاتها الأجمل كائنًا حيًّا؛ تتلون بما نحمله إليها، وترد إلينا شيئًا مما أودعناه فيها. الكلمات نفسها قد تمر على شخص مرورًا عابرًا، فيما تستوقف آخر لأنها لامست موضعًا خفيًّا في ذاكرته. ومن هنا أفهم «العاطفة اللغوية» بوصفها تلك الصلة الخفية بين الكلمة والشعور؛ الصلة التي تجعل اللغة قادرة على أن تقول أكثر مما تقول، وأن تحمل بين حروفها ما لا يظهر في ظاهر العبارة. وربما لهذا كانت بعض الكلمات تعيش معنا سنوات طويلة، لا لأنها الأجمل في اللغة، وإنما لأنها ارتبطت بوجه، أو صوت، أو مكان، أو لحظة لم تغادرنا. ولعل القرآن الكريم أبلغ كاشفٍ لهذه الطاقة العاطفية. تأمل قوله تعالى: ( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء:24؛ اختيار «صغيرًا» في هذا الموضع يفتح في النص بابًا واسعًا للذاكرة: طفل كانَ، ووالدان ربّياه، وعمر مضى، ورحمة تُستدعى في الدعاء. كلمة واحدة تستحضر مرحلة كاملة من الحياة. وفي قول امرؤ القيس: قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ. نجد أن «قِفا» وحدها تضعنا أمام مشهد كامل. شاعر يستوقف صاحبيه، ومكان يستدعي الذكرى، وحبيب غاب، ودمع على وشك أن يبدأ. وفي حديثنا اليومي، نمارس العاطفة اللغوية دون أن نشعر. قد نقول لشخص: «انتبه لنفسك»، المعنى قريب، لكن حرارة العبارة مختلفة. وقد نقول: «افتقدك»، ثم نستبدلها في لحظة أكثر حميمية بـ«اشتقت لك»، فنشعر أن الثانية اقتربت من القلب أكثر. ونقول: «مات»، وقد نقول: «رحل»، أو «غاب»، أو «فقدناه». الحدث واحد، لكن اللغة اختارت لكل مقام ثوبه الشعوري. وفي لحظات الفقد تحديدًا تظهر قدرة الإنسان على البحث عن ألفاظ تخفف وطأة الحقيقة؛ فيقول «انتقل إلى رحمة الله»، فتتقدم الرحمة في العبارة على قسوة الفقد. فاللغة التي نتحدث بها تحمل شيئًا منا، والعاطفة التي نحملها قد تجد في اللغة صورتها الأكثر بقاءً.