الطيبة تتحدى الأيديولوجيا

يولد الإنسان طيبًا، فإن عاش في مناخ جميل وتلقّى العلم وعاش في حُسن الصحة والفرح والرفاهية والأمان والدلال ؛ تكون هذه الظروف تربة صالحة ليستمر في طيبته فيكون معطاءً ، كريم النفس ، سموحًا ، يفرح مع الفرحين ويتألم مع المتألمين .وإن عصفت به أمواج الألم والشقاء وقساوة المناخ والبيئة وسوء التربية والعنف ؛ يرتدي دروع القسوة والمقاومة ويخترقه شعور الكراهية فيكون عدوانيًا دفاعًا عن وجوده . ولكن طيبته الفطرية لا تُمحى فهي متوارية في الأعماق كبذور كامنة تحت الثلج لا تموت ، بل تنتظر دفء الأمان لتعود .وما الفرد إلا صورة عن مجتمعه ، الذي تتكون فيه العقائد والإيديولجيات وتكون هادئة متساهلة أو صارمة متشددة.وبالرغم من كل شيء تبقى الطيبة والقيم السامية قابعةً لا تمحى من عقل ووجدان الإنسان والتاريخ حافل بأمثلة رائعة .عمر بن الخطاب في أوج انتصاره كتب العهدة العمرية لأهل القدس (15 هـ -636 م)، تضمّنت أماناً كاملاً على الأنفس والأموال ، وحماية دور العبادة وعدم إكراه السكان على الدين . لقد غض الطرف عن قسوة الحرب ورغبة جماعته واستسلم لطيبته الإنسانية .لقد أيقن عمر أنه عندما يصبح العدو وجهًا واسمًا وقصة تكون طيبته هي عقيدته الراسخة.نرى مثالا آخر في الإمام علي ( ٣٦ هـ - ٦٥٦ م ) وبعد انتصاره في معركة الجمل واستلامه البصرة ؛ قدم الطيبة والتسامح على المنطق العسكري ، فأمر بالعفو وإرجاع الغنائم ومَنَعَ السبي. وبعد عام واحد نرى منه موقفا انسانيا آخر مستسلما لطيبته الإنسانية الفطرية تاركا دواعي الشراسة وقسوة الحرب حين رفض قطع المياه عن الجيش المقابل وقتلِهم عطشًا، حين كان في مقدوره فعل ذلك ، ولكأن آلام الآخرين أصبحت هنا من مسؤولية الإمام .أما غورباتشيف الذي نشأ ضمن أيديولوجيا قاسية ووصل إلى قمتها، فبدأ وجدانه الإنساني يضع حدودا لها عندما بدأت سنة ١٩٨٩ بولونيا والمجر وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكياتتمرد على أنظمتها الشيوعيه التابعة لموسكو وكان غورباتشيف يمتلك ما امتلكه اسلافه عندما تدخلوا في المجر سنة ١٩٥٦ وتشيكوسلوفاكيا سنة ١٩٦٨ ؛ أما هنا فقد بدأت اللحظة التاريخية كي ينتصر بانتصار الطيبة على العقيدة .لم تقتصر ممارسة الطيبة وتغييب القسوة والحرب على الأفراد من عظماء التاريخ العسكري ، فقد برز سنة ١٩١٤ أثناء الحرب العالمية الأولى تحديًا للعقيدة العسكرية في موقف مشترك من آلاف الجنود المتحاربين من الألمان والحلفاء في موقف سلمي، بدأ من الجنود الألمان بترنيمة عيد الميلاد الذين سمعوا من الفريق الثاني صداها واستجابة لها ، خرج الجنود من الفريقين من الخنادق إلى أرض الآخر ، تبادلوا الهدايا والطعام ، حلقوا شعور بعضهم ، وتكلل اللقاء بصراع نبيل بين الفريقين في كرة القدم في وسط ساحة المعركة .هنا انتصرت الطيبة الإنسانية على قساوة العقيدة الحربية المفروضة ليس لدى فرد أو ضابط بل لدى آلاف الجنود . لساعات قليلة ، تمرد الإنسان في الجنود على الأمر العسكري الذي جعلهم أعداء فانطبعت هذه الواقعة في ذاكرة العالم والإنسان.إن المحفظة الإنسانية حافلة بمواقف كتبت بأحرف من نور أبطالها يهود وعرب وأوروبيون وأميركيون وآسيويون .لي صديقٌ يأتيني من مكان بعيد أقول له باستمرار " أنت أطيب مني " فتدمع عيناه فرحًا، صديقي الطيب هذا هو الذي حرك مشاعري لكتابة هذا البحث .أقول أولًا لنفسي متأثرًا بجبران :حين نتلقى إشارات الطيبة والنقاء فلنلتقطها وإذا أومت الينا فلنتبعها ، وإذا خرجَتْ من قلوبنا لا نهملها فهي البذور التي أينعت بعد الدفء الذي جاء كي تثمر محبةً وقوةً ومعرفة .لا نتجاهل إشاراتها ودعوتها بل نصلّي صلاة قصيرة قبل أن نعاجل إلى رفضها أو تناسيها، نَسِرُّ بها إلى أقرب المقربين فهو أيضا لديه ما يشبهها .فلنتناقش ونتبارى في صراع نبيل في "فوتبولٍ" جميل "نتناوش " به كرة الحب كي نودع أنفسنا والأهداف في قلب الله.