في الوقت الذي تُحال فيه إلى التقاعد خبرات أكاديمية تراكمت عبر ثلاثين أو أربعين عامًا، تزداد حاجة الجامعات إلى الخبرات العلمية المتخصصة، ولا سيما في برامج الدراسات العليا والتخصصات الدقيقة.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: خبرات علمية متراكمة تغادر مواقعها الوظيفية، في الوقت الذي تحتاج فيه الجامعات إلى ما تختزنه هذه الخبرات من معرفة وتجربة. فكيف نجمع بين وفرة الخبرة وحاجة البرامج، ثم لا نبحث في إمكان الاستفادة من هذه الطاقات العلمية المتراكمة؟
إننا أمام طاقة علمية مهدرة، جديرة بأن تُستثمر بصورة منظمة تحقق للجامعات وطلاب الدراسات العليا أقصى استفادة ممكنة.
لا يرتبط النضج العلمي بسن محددة، غير أن كثيرًا من الأساتذة يصلون، مع امتداد مسيرتهم الأكاديمية، إلى مستويات متقدمة من التراكم البحثي، والبصيرة النقدية، والقدرة على الإشراف النوعي، نتيجة سنوات طويلة من الخبرة وتنوع التجارب الأكاديمية.
وفي هذه المرحلة، لا يكون الأستاذ مجرد ناقل للمعرفة، بل مرجعًا علميًا قادرًا على التوجيه العميق، وتصويب المسارات البحثية، وتفادي الأخطاء المنهجية التي قد يقع فيها الباحثون الجدد.
إن عدم الاستفادة من هذه الخبرات بعد التقاعد لا يعني فقدان خبرات فردية فحسب، بل هدر ثروة علمية تراكمت عبر سنوات طويلة، كإغلاق مكتبة عامرة بالمخطوطات النادرة، ثم تركها في الظلام.
تشير ممارسات جامعية في عدد من دول العالم إلى استمرار الاستفادة من الأساتذة بعد التقاعد عبر صيغ تنظيمية متعددة، من بينها منح الألقاب الأكاديمية الفخرية، وإتاحة المشاركة في التدريس والإشراف والأنشطة واللجان العلمية، وفق ما تسمح به الأنظمة واللوائح المعمول بها.
وتختلف طبيعة هذه المشاركة ودرجة الصلاحيات الممنوحة من جامعة إلى أخرى؛ إلا أن عددًا من التجارب يؤكد إمكانية استمرار الإسهام الأكاديمي بعد التقاعد، بما يحافظ على جزء من الخبرة المتراكمة ويتيح للمؤسسات الجامعية الاستفادة منها وفق حاجتها وأطرها التنظيمية.
التقاعد في حد ذاته لا يعني انتهاء القيمة العلمية للأستاذ أو قدرته على العطاء، وإنما يعني انتهاء علاقته الوظيفية بالجامعة وفق الأطر النظامية. وتظهر الحاجة إلى المراجعة عندما يُعاد التعاقد مع الأستاذ المتقاعد للاستفادة من خبرته، ثم تظل مشاركته في بعض الجوانب العلمية محدودة، رغم أن الجامعة قد استعانت به أصلًا لما يملكه من خبرة وتراكم علمي.
فإذا كان قد عُقد معه للاستفادة من خبرته، فمن المناسب أن تُنظَّم مشاركته بما يتيح للجامعة الإفادة من هذه الخبرة في المجالات التي تتفق مع طبيعة التعاقد وحاجة القسم أو الجهة، مع مراعاة الأطر النظامية المنظمة لذلك.
وهذه المسألة لا تتعلق بالأشخاص، بل بطريقة تنظيم الاستفادة من الخبرة، وهي مسألة تستحق إعادة نظر جادة.
يمكن للأستاذ المتقاعد المتعاقد معه أن يسهم في عدد من الجوانب العلمية النوعية، من أبرزها:
- تقديم محاضرات متقدمة في التخصصات الدقيقة.
- إدارة حلقات بحث لطلاب الدراسات العليا.
- المشاركة في المناقشات العلمية، ونقل خبرته التراكمية إلى الباحثين.
بل إن بعض الأقسام قد تواجه نقصًا في تخصصات دقيقة، في الوقت الذي تتوافر فيه خبرات أكاديمية مؤهلة يمكن الاستفادة منها بصورة أكثر فاعلية.
فالأستاذ الذي أمضى سنوات طويلة في القسم لا يحمل معه عند التقاعد خبرته البحثية فحسب، بل يحمل معرفة تراكمية بتاريخ القسم وموضوعاته ومناقشاته العلمية. وهو يعرف ما سبق طرحه من موضوعات، وما نوقش منها وما عولج أو رُدّ، وما تكرر من الملاحظات والإشكالات البحثية. كما أن مشاركته الطويلة في مناقشة الرسائل العلمية تمنحه خبرة متراكمة في تقويم البحوث، واكتشاف مواطن القوة والقصور فيها، وتوجيه الباحثين نحو الموضوعات التي تستحق مزيدًا من الدراسة. وهذه الذاكرة والخبرة العلمية تمثلان رصيدًا مؤسسيًا مهمًا، قد يحتاج العضو الجديد إلى سنوات حتى يكتسب جانبًا منه؛ ومن هنا فإن استمرار الاستفادة من الأستاذ المتقاعد يسهم في نقل هذه الخبرة إلى الجيل الأكاديمي الجديد، ويحافظ على تراكم المعرفة داخل القسم بدل انقطاعها بخروج أصحابها.
ولا ينبغي أن تقتصر الاستفادة من خبرات الأستاذ المتقاعد على القسم العلمي الذي كان ينتمي إليه؛ فبعض هذه الخبرات يمكن أن تمتد فائدتها إلى مستوى الجامعة وصناعة القرار في الجهات التعليمية، من خلال المشاركة في أعمال وكالات الجامعة والإدارات المتخصصة، أو الإسهام في اللجان والمشروعات التي تحتاج إلى خبرة معرفية وتراكم مؤسسي. كما أن بعض الوزارات والجهات الحكومية ذات العلاقة بالتعليم والبحث العلمي قد تحتاج إلى مثل هذه الخبرات في مجالات التخطيط والتطوير والتقويم وصناعة السياسات. ومن ثم، فإن التقاعد لا يعني بالضرورة انتهاء الدور العلمي أو المؤسسي، وإنما يمكن أن يمثل انتقالًا إلى دور جديد تُستثمر فيه الخبرة بحسب حاجة الجهة وطبيعة الاختصاص.
يمكن للجامعات والجهات التعليمية أن تتجه إلى تبني إطار منظم للاستفادة من الأساتذة المتقاعدين الذين يتم التعاقد معهم، بحيث تُحدد مجالات الاستفادة وفق التخصص والخبرة وحاجة الجهة؛ فتوسَّع مشاركتهم في الجوانب العلمية المرتبطة بالتدريس والإشراف، ويُستفاد من خبراتهم في دعم جودة الرسائل والبرامج الأكاديمية، وتُتاح مشاركتهم في الأنشطة العلمية والتدريبية، ويُستعان بهم في اللجان والمشروعات والمهام الاستشارية التي تتناسب مع خبراتهم وتخصصاتهم، مع تنظيم طبيعة مشاركتهم في المجالس العلمية، وتحديد نطاق الصلاحيات المرتبطة بهذه المشاركة، بما يحقق الاستفادة من خبراتهم، ويحافظ في الوقت نفسه على وضوح الأدوار والمسؤوليات، ودون تعارض مع الأطر النظامية المنظمة لذلك.
ولا تقتصر جدوى هذا التوجه على الجانب العلمي، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي أيضًا؛ إذ يمكن للتعاقد مع الأستاذ المتقاعد، في بعض الحالات، أن يتيح للجامعة أو الجهة الاستفادة من خبرة أكاديمية متخصصة وفق حاجة محددة ولفترة زمنية معينة، دون الحاجة إلى استحداث وظيفة أكاديمية دائمة وما قد يرتبط بها من التزامات مالية. ومن ثم، يمكن أن يمثل هذا الأسلوب خيارًا أكثر مرونة وكفاءة في إدارة الموارد البشرية، إلى جانب ما يحققه من قيمة علمية.
إن تفعيل هذا التوجه لا يمثل مجرد معالجة مؤقتة لنقص أعضاء هيئة التدريس، بل يمكن أن يحقق مجموعة من الآثار العلمية والمؤسسية؛ فهو يرفع جودة مخرجات الدراسات العليا، ويخفف العبء عن أعضاء هيئة التدريس الحاليين، ويسد الفجوات في التخصصات الدقيقة، ويعزز النزاهة والمنهجية في البحث العلمي، ويحافظ على الذاكرة العلمية والخبرة المتراكمة داخل الأقسام والجامعات، ويدعم نقل الخبرة إلى الأجيال الأكاديمية الجديدة، بل يسهم في دعم مستهدفات التنمية الوطنية وبناء اقتصاد معرفي. ومن ثم، فإن استدامة الاستفادة من الخبرات الأكاديمية المتراكمة يمكن أن تحول التقاعد من نهاية للدور المؤسسي إلى مرحلة جديدة من العطاء، تُستثمر فيها خبرة الأستاذ وفق تخصصه وحاجة الجهة، وبما يحقق قيمة علمية ومؤسسية واقتصادية في آن واحد.
إن الدول التي تهدر خبراتها، تهدر جزءًا من مستقبلها.