.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
لم يكن تهديد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بتحويل الضاحية الجنوبية لبيروت إلى "خان يونس جديدة" مجرّد تصريحٍ عابر. في خلفية هذا الكلام، يلوح نموذج قائم بالفعل: مدينة مُسحت معالمها، وتحولت إلى جبلٍ من الركام، في مسارٍ يبدو أقرب إلى سياسةٍ ممنهجة منه إلى تهويلٍ سياسي.
في خان يونس، لم يكن الدمار نتيجة معركةٍ عابرة، بل حصيلة مسارٍ تصاعدي بدأ بغاراتٍ جوية كثيفة في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2023، قبل أن يتبعه توغّل بري قسّم المدينة فعلياً إلى نصفين عند حاجز المطاحن. خلال أشهر قليلة، تبدّلت معالم ثاني أكبر مدن قطاع غزة، لتصبح، وفق وصف أحد أبنائها، "مدينةً بلا أسفلت… كأن زلزالاً ضربها".
اليوم، تتقاطع هذه الصورة مع مشهد الضاحية الجنوبية. منذ 2 آذار /مارس 2026، توالت إنذارات الإخلاء لتشمل مئات المباني، مرفقةً بخرائط تفصيلية، فيما تتصاعد وتيرة الغارات التي تُسقط أبنيةً كاملة وتحيلها إلى ركام. الفارق الوحيد، ربما، أن المشهد في بيروت لا يزال في بدايته، بينما في خان يونس بلغ ذروته.
دمار كبير في مدينة خان يونس (الصورة محمد رباح)
تقع محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، وتُعدّ ثاني أكبر مدن القطاع من حيث المساحة وعدد السكان، كما تُعتبر المحافظة الأولى زراعياً على مستوى قطاع غزة.
في كانون الأول/ديسمبر 2023، بدأت المدينة تتعرض لتدميرٍ واسع وكثيف.
المصوّر محمد رباح، وهو من مخيم المغازي، لكنه سعى إلى توثيق الهجمات على خان يونس ، يقول في حديث الى "النهار"، إن الجيش الإسرائيلي "يولي خان يونس اهتماماً خاصاً"، باعتبارها مسقط رأس عدد من قيادات حركة حماس، بينهم محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام، ومحمد السنوار، إضافة إلى القيادي عبد العزيز الرنتيسي، أحد أبرز قادة الحركة في قطاع غزة.
بعد القصف الجوي العنيف الذي نفذته طائرات F16، بدأ الجيش الإسرائيلي بالتوغّل برياً في خان يونس. وتمكّنت القوات الإسرائيلية من الوصول إلى حاجز المطاحن، حيث قُسّمت المدينة إلى قسمين.
توثيق موجة النزوح في خان يونس قطاع غزة (الصورة محمد رباح)
لم يكن الخروج من المدينة خياراً، بل ضرورة فرضتها كثافة القصف واتساع رقعة العمليات العسكرية. عند أطرافها، أقيمت نقاط عبور تحوّلت في ذاكرة السكان إلى ما يشبه الحدود بين الحياة والمجهول، كما وصفها المصور محمد رباح حتى سُمّيت "أبواب الموت".
هناك، لم تكن الطرق آمنة كما يُفترض، بل مساحاتٍ مفتوحة على الاعتقال والموت. عشرات العائلات عبرت تحت الخوف، وبعضها لم يصل. النزوح لم يكن مجرد انتقالٍ جغرافي، بل اقتلاع كامل من المكان والذاكرة.
يروي رباح، الذي وثّق تلك اللحظات، أن أصعب ما واجهه لم يكن الدمار في ذاته، بل مشاهد الناس وهم يغادرون كل شيء خلفهم. نساء يحملن أطفالهن، وأطفال يتمسكون بلعبة صغيرة، كأنها آخر ما تبقى من حياة كانت هنا يوماً. في تلك اللحظة، يصبح البيت فكرةً أكثر منه مكاناً، ويغدو الفقدان شاملاً.لم تسلم المباني السكنية أو المدارس أو البنى التحتية من الدمار. فقد تعرّضت المدينة لتدميرٍ واسع ومنهجي طاول مختلف المرافق الحيوية. وفي نيسان/أبريل 2024 أعلن الجيش الإسرائيلي انتهاء عملياته القتالية في خان يونس، بعد نحو أربعة أشهر من بدء المعركة في المدينة.
نسبة الدمار في خان يونس بلغ 85 في المئة (الصورة محمد رباح)
كأن زلزالاً ضرب هذه المدينةلم يتوقف الأمر عند النزوح، إذ يؤكد رباح أنه "حين عاد بعض السكان لاحقاً، لم يتمكن كثيرون حتى من تحديد مواقع منازلهم. أحياء كاملة اختفت، والطرق جُرفت، يقول متأسفاً: "عندما دخلت إلى خان يونس لم أجد إسفلتاً، كأن زلزالاً ضرب هذه المدينة".
في هذا المشهد، لا يعود الدمار مجرد أرقام، بل تجربة وجودية قاسية. الانتقال من منزلٍ إلى خيمةٍ لم يكن مجرد تراجعٍ في مستوى المعيشة، بل تحوّل جذري في نمط الحياة. يعترف رباح: "عندما تنظرين اليوم إلى خان يونس تشعرين بأن الذكريات أصبحت هباءً، ذكريات الطفولة كلها تمّ مسحها"، لا يمكن التعرف على أي مدرسةٍ أو منزلٍ أو مؤسسةٍ كانت موجودة هناك.
يتذكر جملةً قالها له أحد النازحين هناك: "لا يوجد جدار يمكن الإتكاء عليه في هذه الخيمة"، عبارة تُلخص هشاشة الواقع الجديد بكل تفاصيله، من نقص المياه إلى غياب أبسط مقومات العيش.
اليوم عاد البعض إلى خان يونس ليعيش في ما يُشبه المنزل أو ما تبقى منه، في حين نصبت مئات العائلات الخيم فوق منازلها المدمرة، محاولةً التأقلم مع هذا الواقع.
يدرك رباح أن الواقع اليوم في ظل هميجة إسرائيل يجعل حلم العودة طويل الأمد، ورغم إعلان انتهاء العمليات العسكرية في نيسان/أبريل 2024، بقيت العودة ناقصة. فمناطق واسعة لا تزال خارج متناول السكان، ومواد إعادة الإعمار ممنوع إدخالها ما يجعل من النزوح حالةً طويلة الأمد.
وجع النزوح من خان يونس قطاع غزة بعد القصف الاسرائيلي المتواصل (الصورة محمد رباح)
85% نسبة الدمار في خان يونسما سمعنا به من تدميرٍ ممنهج لمدينة خان يونس توثقه الأرقام لتكون دليلاً على ما عاشته هذه المدينة من إجرامٍ وعنف. ويؤكد الدكتور إسماعيل إبراهيم الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة– فلسطين، أن "التقديرات الميدانية تشير إلى أن نحو 85% من مساحتها العمرانية تعرّضت للتدمير، وهو مستوى دمارٍ غير مسبوق. كما أن أكثر من نصف مساحة المحافظة بات ضمن مناطق السيطرة المباشرة أو التغطية النارية (الجيش الإسرائيلي يقضم 61 كلم² من أصل 107 كلم² من مساحة المحافظة، أي ما نسبته 57% من مساحة خان يونس) ، ما يعقّد أي محاولة للعودة أو إعادة الإعمار.
هذا الدمار الكبير ترافق مع موجات نزوحٍ جماعي متتالية خصوصاً من المناطق الشرقية، وفق الثوابتة "موجة النزوح شملت مئات آلاف السكان. في بعض المراحل، اضطر أكثر من 180 ألف شخص إلى النزوح خلال أيام قليلة، ليستقر معظمهم في مناطقٍ ساحلية مكتظة في منطقة المواصي غرب خان يونس، وفي مناطق وسط المحافظة وغربها ومراكز الإيواء والمخيمات الموقتة في المناطق الساحلية.
على مستوى أوسع، تقلّصت المساحة القابلة للحياة في قطاع غزة، كما يشير الثوابتة، إلى ما يقارب ثلث مساحته فقط (سيطرة الجيش الإسرائيلي على 54.5% من مساحة القطاع (198.8 كلم²)، إضافةً إلى 9.2% من المساحة ضمن مناطق التغطية النارية الخطرة، في ظل اكتظاظٍ شديد وظروفٍ إنسانية قاسية بحيث لم يتبقَ للسكان سوى 36.4% من مساحةٍ يعيشون فيها، ما يعكس نمطاً من العمليات التي لا تكتفي باستهداف البنية التحتية، بل تضرب مقومات الحياة نفسها.
تعمّد الجيش الإسرائيلي إلحاق الدمار بمدينة خان يونس بشكل كبير (الصورة محمد رباح)
تحت تهديد العمليات العسكرية، غادر السكان منازلهم بشكلٍ عاجل، إذ عمدت إسرائيل في كثير من الحالات الى أوامر إخلاءٍ وإنذاراتٍ قسرية ومتكررةٍ لسكان الأحياء الشرقية في خان يونس، شملت بلداتٍ مثل بني سهيلا وعبسان والقرارة والفخاري وخزاعة.