الصورة والفيديو والنص في صناعة الوعي أثناء المعارك – د. يحيى جابر

المعارك الحديثة لا تدور في الميدان وحده، فإلى جانب العمليات العسكرية على الأرض والجو والبحر، تدور معركة موازية في عقول البشر، تتنافس فيها المعلومات والصور ومقاطع الفيديو والنصوص والتفسيرات على تشكيل الإدراك وتحديد المواقف، ينتج عنها حرب أخرى نفسية، مؤثرة، ومن هنا تبرز أهمية علم النفس الإعلامي العسكري، بوصفه مجالاً يهتم بفهم العلاقة بين الرسالة الإعلامية والحالة النفسية للمتلقي، وكيف تؤثر المعلومة والصورة والصوت وكل لون ونص ورسم الخط والفيديو وكل عامل مبهر في الانتباه والذاكرة والانفعال والسلوك، ففي المرحلة السابقة للمواجهة يسود الترقب والقلق، وأثناء القتال يبحث الجمهور عن المعلومات الموثوقة وسط تدفق سريع للأخبار، وبعد المعركة تبدأ مرحلة تفسير النتائج وحفظ الأحداث في الذاكرة العامة، ولذلك تختلف وظيفة الصورة والفيديو والنص باختلاف المرحلة.

تتميز الصورة الصحفية أكانت في الصحافة أو التلفزيون بالطرق الحديثة، بقدرتها على اختصار حدث كبير في لحظة واحدة، ولذلك أصبحت الصورة من أهم عناصر التغطية الإعلامية للحروب والصراعات، لكنها تحمل مسؤولية مهنية كبيرة، فالصورة الصحيحة يمكن استخدامها خارج سياقها، والصورة القديمة يمكن تقديمها باعتبارها حديثة، كما يمكن أن ترافق الصورة الحقيقية معلومات غير صحيحة، ومن الناحية النفسية لا تقدم الصورة معلومة فقط، وإنما تمنح المتلقي مشهداً يرتبط بالعاطفة والذاكرة، ولهذا تستطيع بعض الصور أن تتحول إلى رموز تاريخية تختصر مرحلة كاملة من الحرب في الذاكرة الجمعية، وقد أدركت المؤسسات العسكرية مبكراً أهمية الاتصال النفسي المنظم، ففي الحرب العالمية الأولى شهدت الجهود الإعلامية المرتبطة بالحرب في الولايات المتحدة خلال عام 1918م طباعة نحو 5 ملايين و100 ألف منشور من 18 تصميماً، وجرى توزيع أكثر من 3 ملايين منها، «المصدر ـ الجيش الأمريكي، الولايات المتحدة، تاريخ العمليات النفسية في الجيش الأمريكي، 2018»، ويكشف هذا المثال أن الاتصال النفسي المنظم سبق العصر الرقمي بوقت طويل.

قبل المعركة تسود حالة من الترقب والانتظار والأسئلة المتعلقة بالمستقبل، وقد يبحث الجمهور عن صورة أو تصريح أو مقطع يساعده على تقدير اتجاه الأحداث، ولهذا تؤدي الصور العسكرية المنشورة قبل المواجهة وظيفة إخبارية ومعنوية، فإظهار الجاهزية يمكن أن يعزز الثقة، بينما المبالغة في استعراض القوة قد تخلق توقعات غير واقعية، وأرى أن الصورة الأفضل قبل المعركة ليست بالضرورة الأكثر إثارة، وإنما الأكثر قدرة على منح الجمهور فهماً واضحاً للمرحلة والمحافظة على الثقة وتقديم واقع يمكن التحقق منه.

يضيف الفيديو إلى الصورة الحركة والصوت والزمن، ولذلك يستطيع تقديم تفاصيل أكثر، وتستخدم مقاطع التدريب والمناورات والمؤتمرات والتصريحات المصورة في بناء صورة عن الجاهزية والقدرة، إلا أن قيمة الفيديو لا تتحدد بمظهره، وإنما بصدقية مصدره وسياقه وتاريخ تسجيله، وفي العصر الرقمي أصبح من السهل إعادة نشر مقطع قديم على أنه حدث جديد، أو اقتطاع جزء من تسجيل طويل وتقديمه على أنه يمثل المشهد كاملاً، ولهذا يحتاج الفيديو إلى التحقق من المكان والتاريخ والمصدر قبل الاعتماد عليه، وتزداد المشكلة مع تطور الذكاء الاصطناعي الذي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المصطنعة أكثر سهولة، وقد حذرت منظمة حلف شمال الأطلسي من أن التزييف العميق والتقنيات المتقدمة يمكن أن تزيد صعوبة التحقق وتؤثر في الثقة بالمعلومات، «المصدر ـ منظمة حلف شمال الأطلسي، بلجيكا، نهج الحلف لمواجهة التهديدات المعلوماتية، عام 2024».

يختلف النص عن الصورة والفيديو في قدرته على تفسير الحدث وتقديم المعلومات بصورة مباشرة، ولهذا تؤدي النصوص الإعلامية قبل المعركة وظيفة مهمة في تقليل الغموض وتوضيح الموقف وتصحيح المعلومات غير الدقيقة، والنص النفسي لا يعني النص القائم على التخويف أو التحريض، وإنما النص الذي يراعي الحالة النفسية للمتلقي، فإذا كان الجمهور يعيش القلق فإن الرسالة المهنية تحتاج إلى معلومات واضحة، وإذا كانت الشائعات منتشرة فإن الأولوية تكون للتصحيح بالمعلومة الموثقة، وفي تقديري أن النص الأقوى قبل المعركة هو الذي يجيب عن الأسئلة الأساسية قدر الإمكان، ماذا يحدث، ما الذي نعرفه، ما الذي لم يتأكد بعد، وما الذي ينبغي على الناس فعله.

عند اندلاع المعركة تتحول الصورة إلى وثيقة لحظية، ويصبح الجمهور أكثر اهتماماً بالمشهد المباشر، لكن هذه المرحلة شديدة الحساسية، لأن سرعة تداول الصورة قد تسبق عملية التحقق منها، كما يمكن للصورة الحقيقية الخارجة عن سياقها أن تنتج تصوراً خاطئاً عن اتجاه المعركة، ولذلك يمثل التحقق من المصدر والتاريخ والمكان والسياق جزءاً أساسياً من العمل الإعلامي المهني، ومن المهم عدم الخلط بين قوة الصورة وقوة الدليل، فقد تكون الصورة مؤثرة جداً نفسياً لكنها لا تثبت جميع المعلومات التي يضعها البعض في التعليق المصاحب لها، فقد تحمل صورة إنسانية رسالة تتعلق بحسن التعامل مع الأسرى، وقد تنقل صورة أخرى دلالة على السيطرة والحسم، أو تكشف تقدماً في موقع معروف، أو توثق استخدام وسيلة عسكرية جديدة، وفي كل حالة ينبغي أن يكون المعنى المستخلص متوافقاً مع الوقائع، لأن قيمة الرسالة ترتبط بصدقيتها.

يصبح الفيديو أثناء المعركة مصدراً مهماً للمعلومات، لأنه يوثق مشهداً متحركاً ويقدم تفاصيل لا توفرها الصورة الثابتة، لكنه يظل بحاجة إلى التحقق، ومن الأخطاء الشائعة إعادة استخدام مقاطع قديمة من حروب سابقة، أو تغيير مكان المقطع وزمنه، أو اقتطاع جزء منه وإخفاء ما يسبقه أو يليه، ثم تقديمه للجمهور باعتباره دليلاً على رواية معينة، ولهذا يجب النظر إلى الفيديو بوصفه مادة تحتاج إلى فحص، وليس دليلاً نهائياً بمجرد ظهوره على الشاشة، لأن المشاهد لم يعد يستطيع الاعتماد على عينيه وحدهما للحكم على صدقية المادة، بل يحتاج إلى معرفة مصدرها وسياقها وأدلة التحقق المرتبطة بها، النص الإعلامي أثناء المعركة شديد الحساسية، ولذلك يمكن لعبارة غير دقيقة أن تنتج تفسيراً أكبر من حجم المعلومة نفسها، ومن هنا يجب أن تفرق الرسائل المهنية بين الخبر المؤكد والتقدير والتحليل والتوقع، وألا تقدم الاحتمالات باعتبارها حقائق، كما ينبغي أن تكون الرسائل متسقة، لأن التناقض بين التصريحات المختلفة يخلق مساحة واسعة للشائعات، بينما يساعد الخطاب الواضح والمتدرج على المحافظة على الثقة، وتؤكد منظمة حلف شمال الأطلسي أهمية فهم البيئة المعلوماتية ورصد التهديدات المعلوماتية وتعزيز قدرة المجتمع على مقاومة التضليل، «المصدر - منظمة حلف شمال الأطلسي، بلجيكا، نهج الحلف لمواجهة التهديدات المعلوماتية، عام 2024».