تصنع الجهل في مواضع.. هذه تذكرك بمنقبة عدم السلام لمن بينك وبينه موضوع.. هو ليس مستعدا لخوضه، أو من لك دين عليه، وهو يتوارى خجلا منك.
وأزيدكم أن بعض العلماء يتصنع في مواقف (التغافل) قصدا لتجنيب الآخر تبعات أو تحسسات.. ما، كأن تجد قريبا لك بالسوق ومعه أحدا (من أهله)، فلا تسلم عليه عمدا.. وهكذا.
لكن موضوعي - هنا- عن ذاك التجاهل (لا الجهل) لمن يلقي عليك معلومة ما وهو يبديها تجده طربا أنه زادك (بمعلومة ما).. على ما عرف عنك من اطلاع!، ثم زدت بشائره في إظهارك عظيم امتنناك بما مدك به، بل لو حرصت وأنتما بمجلس إبدائها له علانية، أقصد على مسمع من (الحضور) فانت لا تدري تأثير هذا عنده.. وكم يملأه من حبور، ولربما كنت سببا لفتح ذهنه على مقدراته وأنه بالإمكان يوما يكون أستاذا مثلك، وقد يعلو.
.. من ذلك سيبويه حين كان غلاما وأراد يقرأ القرآن فنصحه أستاذه (أن الأولى له قبل التلاوة تدارك اللحن الذي ظاهرا عنده) فكان ذاك النصح فتحا له أن يتعلم العربية، حتى أمسى.. مرجعا له قرونا -بعد رحيله- هذا، وكم أكبر تلاميذ لأساتذتهم إن كانوا هم من أشعلوا بهم نار طاقاتهم، ونورا في دواخلهم الكامنة، فدونوا ذلك بإحدى مراحل طلبهم للعلم.
العنوان حول قول لأحد السلف «إني لأسمع معلومة فأظهر فرحي لقائلها مع أني أعلمها من سنين»، ولأبي تمام أشار لهذه كمنقبة شاهرة لمن عرفت فيه.. كما في (البيت الثاني):
من لي بإنسان إذا أغضبته وجهلت كان الحلم رد جوابه
وتراه يصغي للحديث بطرفه وبقلبه ولعله (أدرى به)!
وأنت أيها المتلقي لو علمت كم تبث من أفراح على من تحتفي بما يقول به.. ولو تظاهرا، فعبرت -حتى لا يظنك تهزأ به- أنك ربما مرت عليك.. بالقول -مثلا - أذكر أن مر علي مثل هذا وقد نسيت، وجزاك الله خير إن ذكرتني بها.
والتذكير بالمناسبة كما هو أحد ميزات شرعنا فغرضه الأساسي أن الإنسان ابن ذاك الذي عهد إليه ربه فنسي (.. ولم نجد له عزما).
قال ابن زيد رحمه الله (نسي ما عهد الله إليه في ذلك، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس). وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم - عليه السلام - في ذلك الوقت مأخوذا بالنسيان، وإن كان النسيان - بالمناسبة- تذكير شرعي».. هو عنا اليوم مرفوعا» - تفسير القرطبي رحمه الله -.
فلا عجب أن كثيرا من الناس يتصرف بطريقة ما أن تذكره بنص (شرعي) أو (تربوي) إلا وتراجع، فالعودة للشرع أولى.. لا خيار فيها، أما التربوي ففيه التفاضل، فبعض الخلفاء حين أراد أن يعاقب قال له أحد الحضور- وهذه من الشفاعة الحسنة- (العقوبة عدل، والعفو فضل وإني لاربأ بالأمير الأخذ بأدنى المرتبتين، أو اوكس النصيبين)، فعفى الخليفة، بل بهذه الخلة أو الخصلة قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (فإذا دار الأمر بين أن يخطئ فيعاقب بريئا أو يخطئ فيعفو عن مذنب، كان هذا الخطأ خير الخطأين) مجموع الفتاوى ج 15 ص 308، كما قرر جمهرة من الفقهاء «أن تخطئ بالعفو أولى من تصيب بالعقوبة»، وبالمناسبة نجد سندا لهذا المرام الجليل ما جاء في قرار مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة رقم 6 /298 في 1413 /12 /4 ما نصه: [العقوبات التعزيرية ترتفع وتنخفض تبعا لتحقيق المصالح والمفاسد].
وعود على بدء، وكما حمدنا لمن يتظاهر بفرحه بالمعلومة وهو يعرفها من قبل، نجد بالمقابل الصمت لمن هو في حضرة أولي الفهم والعرفان يجنب من قد يتسارع بإلقاء معلومة خاطئة أو يروي حكاية مخلخلة!، قال:
فإن الوثيقة في (نصه) أي لا تزيد عليه من عندك أو تنقصه!
والزبدة إن لم تحفظه فلا تذكر جزئيات منه فتخلخل بناءه، كي لا تعرض قدرك ومقامك.. أو تكون معلوماتك عرضة للنقد.. من قبل بعض الحضور الذين من بينهم لا يصبر أو( يبلع) معلومة ليست متكاملة البناء -الفكرة.
نعم قد يقبل منك هذا في أي موضوع، لكن إن كان شرعيا أو فتوى فلا يصح الصمت منهم- عليك-.. ما قد ييلغ الصامت الوعيد من الشارع (بلجام يوم القيامة)، على أنه إن كان الطرح حول حكايا الدنيا، أو من القصص العابرة، وما هو بحكمهما فإن الأولى على الحضور الصمت، وحسبهم «درس» من نبينا، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس وكانوا يجلسون فيتحدثون ويأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم صلى الله عليه وسلم، رواه مسلم رحمه الله.
إيضاح (.. فيتكلمون في أمر الجاهلية.. وهي فترة ما قبل الإسلام، سموا بها لكثرة جهالاتهم، وكانوا يتحدثون في أمرها على سبيل المذمة، أو بطريق الحكاية لما فيها من فائدة وغيره، وفي رواية النسائي: «يذكرون حديث الجاهلية» فيذكرون الأعمال التي كانوا يعملونها في أيام كونهم غير مسلمين؛ استقباحا لها، وشكرا لما هداهم الله سبحانه وتعالى إليه من الدين الحنيف، وأبدلهم بالسيئة الحسنة، حتى يثير ذلك الحديث ابتسام النبي صلى الله عليه وسلم وضحكهم.
وفيه (أي الحديث) بيان جميل شمائله عليه الصلاة والسلام، وحسن عشرته لأصحابه رضي الله عنهم.
ودليل على التحدث بالكلام المباح في المسجد وبأمور الدنيا وغيرها، وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحا.
ففي قول الراوي (فضحكون ويتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينهاهم)، أي طالما كان الحديث مباحا ولم يدخل في محرم كالغيبة أو المعاصي.
ولا شك لأنه -صلى الله عليه وسلم - لا يدعهم يتجاوزون، بل ربما إن حدث ذلك أمرهم بالإمساك -الصمت-.
هناك فارق شاسع بين السكوت والصمت، وهاكم تفصيلا موجزا/
السكوت هو ترك التكلم مع القدرة عليه!، وهو الذي وبخ الإمام أحمد رحمه الله من يدع قول حق يعرفه (إذا سكت أنا وسكت أنت فمتى يعرف الجاهل، الحق من الباطل).
وعلى هذه أطلقت جملة (عدم جواز تأخير البيان عن موضع الحاجة إليه) فإن كان تأخيره إثم، فكيف في حال استمرار الصمت!
وأما مع عدم القدرة على التكلم فهذا هو الصمت، أي: عدم القدرة على التكلم هو المعتبر بحق الصامت.
وكذلكم -بالمناسبة- نجد فوارق بين الحياء والخجل..
والفرق بينهما أن الحياء خلق كريم يمنع صاحبه من فعل القبيح والتقصير في حق الغير، بعكس الخجل فإنه - كما ذكرنا - ربما يمنع صاحبه مما ينفعه في دينه ودنياه، ويحمله على الوقوع فيما لا ينبغي، فالحياء خلق الإسلام الرفيع، وشعبة من شعب الإيمان العليا، فقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: الحياء شعبة من الإيمان. رواه البخاري ومسلم.
وقال عنه: الحياء خير كله. رواه مسلم، وقال عنه: وما كان الحياء في شيء إلا زانه. رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني.
وزيادة تنبيه.. لا يقال عن الخجل إنه حرام، لأنه طبيعة جبل عليها الشخص، فإذا أدى بصاحبه إلى التقصير في واجب أو الوقوع في محرم كان تقصيره في الواجب أو وقوعه في الحرام حراما.
تصنع الجهل في مواضع.. هذه تذكرك بمنقبة عدم السلام لمن بينك وبينه موضوع.. هو ليس مستعدا لخوضه، أو من لك دين عليه، وهو يتوارى خجلا منك.
وأزيدكم أن بعض العلماء يتصنع في مواقف (التغافل) قصدا لتجنيب الآخر تبعات أو تحسسات.. ما، كأن تجد قريبا لك بالسوق ومعه أحدا (من أهله)، فلا تسلم عليه عمدا.. وهكذا.