الصقور في المملكة.. إرثٌ يحلّق في سماء الحاضر وصناعة ترسم آفاق المستقبل – عوض علي أحمد الطالبي

تتشابك تفاصيل الحياة في شبه الجزيرة العربية مع مفردات البيئة الصحراوية القاسية، حيث لم يكن الصقر مجرد طائر كاسر يمر عابرًا في السماء، بل كان شريكًا وجوديًا وجزءًا لا يتجزأ من رحلة البقاء. في المملكة العربية السعودية، تتجاوز العلاقة بين الإنسان والصقر حدود الهواية العابرة أو الممارسات الترفيهية؛ إنها رابطة دمٍ وثقافة، وقصة تآلفٍ تولدت بين البدوي وسيد السماء في بيئة شحيحة الموارد، حيث كان الصقر يمثل الساعد الأيمن في تأمين القوت والعيش. اليوم، والمملكة تعيش طفرة تنموية وحضارية شاملة تحت مظلة «رؤية السعودية 2030»، لم يندثر هذا الإرث العتيق ولم يتحول إلى مجرد صفحات في كتب التاريخ. بل على العكس تمامًا، شهد قطاع الصقارة إعادة هيكلة شاملة ومأسسة رفيعة المستوى، تحول معها هذا الموروث الشعبي إلى صناعة ثقافية، واقتصادية، وسياحية، وبيئية ضخمة ترعاها الدولة بأعلى مستويات الاهتمام. إن الحديث عن الصقور في المملكة العربية السعودية هو حديث عن هوية وطنية نابضة، تجمع بين أصالة الماضي وعراقة التقاليد، وبين حداثة التنظيمات والريادة العالمية في الحفاظ على الحياة الفطرية.

أولاً: الجذور التاريخية والثقافية للصقارة في الجزيرة العربية

تضرب الصقارة بجذورها في أعماق التاريخ الإنساني بمنطقة شبه الجزيرة العربية. وتؤكد المكتشفات الأثرية في عدة مواقع بالمملكة، بما في ذلك النقوش الصخرية في مناطق حائل والعلا والمنطقة الشمالية، وحيث أن استئناس الصقور واستخدامها في الصيد يعود لآلاف السنين.

في الوجدان الشعبي السعودي، لا يُنظر إلى الصقر كحيوان أليف، بل كرمز حي للأنفة، والعزة، والشجاعة، والحرية. لقد تغنى الشعراء العرب منذ العصر الجاهلي ووصولاً إلى شعر العرضة والسامري والنبطي الحديث بصفات الصقر، وشبّهوا به الملوك والفرسان لحدة بصره، وسرعة انقضاضه، وكبريائه الذي يمنعه من أكل الميتة أو الإقامة في المواقع الدنيئة.

في الماضي، كانت «المقناص» (رحلة الصيد بالصقور) ضرورة معيشية. كان الصقار يخرج إلى الفيافي والصحاري بصحبة صقره وجمله، معتمدًا على فراسة الطير وقدرته على اقتناص الحبارى، والأرانب البرية، والظباء. هذه العلاقة اليومية فرضت على الصقار معرفة دقيقة بوجوه الطبيعة، وتحولات الطقس، وطبائع الطيور، وأمراضها، وكيفية مداواتها، مما خلق مدرسة معرفية متكاملة توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.

ثانياً: أنواع الصقور في المملكة العربية السعودية

تعد المملكة العربية السعودية محطة رئيسية وممرًا حيويًا للصقور المهاجرة بين قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا، إلى جانب كونها بيئة حاضنة لبعض الأنواع المستوطنة. وينقسم الاهتمام بالصقور في المملكة إلى فئتين رئيسيتين: الصقور الوحوش (البرية المهاجرة) والصقور المكاثرة في الأسر.

أبرز أنواع الصقور التي تشغل بال الصقارين في المملكة تشمل:

يعتبر الصقر الحر المفصل تاريخيًا لدى صقاري الجزيرة العربية، ويتميز بتحمله الأجواء الحارة وقدرته العالية على الصبر والجلد في الصحراء. يتسم برأسه الضخم وجسده القوي الممتلئ، وله ألوان متعددة يفضلها الصقارون مثل «الأحرار البيض»، و«الأشقر»، و«الأدهم».

يُعرف الشاهين بأنه أسرع كائن حي على وجه الأرض، حيث تتجاوز سرعته في الانقضاض العمودي (العلّو) 320 كيلومترًا في الساعة. يفضل الصقارون السعوديون «الشاهين البحري» الذي يتميز بذكائه المفرط وسرعته الخاطفة في اصطياد الطرائد الطائرة كالحبارى والحمام، و«الشاهين الجبلي» المستوطن في بعض جبال المملكة.

موطنه الأصلي المناطق القطبية الباردة، ولكنه دخل سماء الصقارة السعودية بقوة خلال العقود الأخيرة عبر مراكز الإكثار العالمية. يتميز الصقر الجير بحجمه الضخم وقوته العضلية الهائلة وسرعته الفائقة، ويتم تهجينه (مثل الجير-حر، أو الجير-شاهين) لإنتاج سلالات تجمع بين قوة الجير وتحمل الحر والشاهين.

من الصقور المحلية والمعروفة بسهولة تدريبها وصغر حجمها مقارنة بالحر والشاهين.

يُستخدم غالبًا من قبل المبتدئين في تعلم أصول الصقارة نظراً لسعره المناسب وهدوء طباعه.

ثالثاً: مأسسة قطاع الصقور.. نادي الصقور السعودي نموذجاً

مع التطور الهائل الذي شهدته المملكة العربية السعودية، استشعرت القيادة الرشيدة خطورة اندثار هذه الهواية التاريخية أو عشوائية ممارستها بما قد يضر بالبيئة. ولذلك، صدر أمر ملكي كريم في عام 2017 بتأسيس «نادي الصقور السعودي» تحت إشراف سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ليكون المظلة الرسمية والرائدة لتنظيم هذا القطاع وتطويره.

حققت مأسسة قطاع الصقور نقلة نوعية من خلال عدة محاور:

نجح نادي الصقور السعودي في تحويل الهواية من إطارها العشوائي إلى عمل مؤسسي منظم، عبر إصدار تراخيص الصيد، وتنظيم بيع وشراء الصقور، ووضع أطر قانونية تضمن حقوق الصقارين وتوافق الممارسات مع المعايير الدولية للحفاظ على البيئة.

يسعى النادي إلى نقل هذا الإرث للأجيال الجديدة من خلال الفعاليات التعليمية، والندوات، والأنشطة الموجهة للأطفال والشباب، لتعريفهم بقيمة الصقر في تاريخ أجدادهم وكيفية التعامل معه كرمز ثقافي وطني.

رابعاً: الفعاليات العالمية والمنصات الاقتصادية الكبرى

تحولت المملكة العربية السعودية إلى العاصمة الأولى عالميًا للصقور، بفضل الفعاليات الضخمة والمهرجانات الدولية التي تنظمها سنويًا، والتي تجذب آلاف الصقارين والمستثمرين من مختلف قارات العالم.

يُعد هذا المهرجان الحدث الأكبر من نوعه عالميًا، وقد دخل **موسوعة غينيس للأرقام القياسية** عدة مرات من حيث عدد الصقور المشاركة والجوائز المالية الفلكية التي تُقدّم فيه، والتي تصل إلى عشرات الملايين من الريالات. يضم المهرجان مسابقات رئيسية مثل:

مسابقة الملواح (الدعو): لقياس سرعة الصقر في قطع مسافة 400 متر نحو التلواح الملوح به من قبل الصقار.

مسابقة المزاين: لاختيار أجمل الصقور بناءً على معايير دقيقة تشمل تناسق الجسد، لون الريش، عرض الظهر، شكل الرأس، والوقفة المتميزة.

يُمثل هذا المعرض منصة تجارية وثقافية متكاملة تجمع كبرى شركات أسلحة الصيد، ومستلزمات التخييم، ومراكز إكثار الصقور العالمية، وشركات التقنية الطبية الخاصة بالطيور.

يُعد المعرض وجهة سياحية واقتصادية بارزة تطرح فيها أحدث ابتكارات التكنولوجيا لخدمة الصقارين.

المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور ومزاد الصقور المحلية

تُنظم المملكة مزادات علنية دورية تحظى بمتابعة عالمية واسعة.

يُعرض في هذه المزادات نخبة الصقور البرية التي يتم طرحها (صيدها) محليًا، إلى جانب صقور قادمة من أفضل مزارع الإنتاج العالمية في أوروبا وأمريكا. تسجل هذه المزادات أرقامًا قياسية لبيع أغلى الصقور في العالم، حيث تجاوزت قيمة بعض الصقور النادرة مئات الآلاف من الدولارات (أكثر من مليون ونصف المليون ريال سعودي للصقر الواحد في بعض الحالات الفريدة).

خامساً: الأبعاد البيئية ومبادرات الاستدامة والحماية

لم تكن الرؤية السعودية للصقور مقتصرة على الجانب الاستعراضي أو التجاري، بل ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بجهود الاستدامة البيئية وحماية التنوع البيولوجي، تماشيًا مع «مبادرة السعودية الخضراء».

مبادرة «الهُدد» لإعادة الصقور إلى الطبيعة