هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة بعد وقوف الأوس والخزرج (الأنصار) إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم، ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هناك كثيرٌ من التحديات أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بدّ من حلها سريعاً، ومنها إيجاد مسكن لهؤلاء المهاجرين الذين تركوا وراءهم كلّ شيءٍ إلا ما كان على أجسامهم من لباس، استطاع الأنصار أن يستضيفوا المهاجرين الأوائل في بيوتهم، وأن يشاركوهم في الأكل والنفقة، ولكن لما زاد عدد المهاجرين لم يكن هناك قدرة للأنصار على استيعابهم. فقد صار المهاجرون يكثرون يوماً بعد يوم؛ لأن الإسلام صار ينتشر وبدأ الناس يدخلون فيه. فاستمرار تدفق المهاجرين إلى المدينة سبّب مشكلة السكن والمعيشة فترك النبي صلى الله عليه وسلم المكان المظلل في الجهة الشمالية في المسجد النبوي مكاناً لأولئك المهاجرين ولم يكن لها ما يستر جوانبها، ومنذ ذلك الوقت أطلق عليه اسم الصفّة فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إلى تلك الصفّة في المسجد. روى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: «لما كثر المهاجرون بالمدينة، ولم يكن لهم دار ولا مأوى، أنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، وسماهم أصحاب الصفّة، فكان يجالسهم ويأنس بهم». وقد سماهم النبي صلى الله عليه وسلم (الأوفاض) فعن أبي رافع قال: لما ولدت فاطمة حسيناً قالت: يا رسول الله ألا أعق عن ابني؟ قال: «لا ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره ورقا -أو فضة- على الأوفاض المساكين» يعني بالأوفاض أهل الصفّة. وقد قيل في سبب تسميتهم بالأوفاض لكونهم كانوا أخلاطاً من قبائل شتى، وقيل: إن كل واحد منهم كان معه وفضة وهي مثل الكنانة الصغيرة يلقي فيها طعامه.
والصفّة في اللغةً: بضم الصاد، وتشديد الفاء الظلة والسقيفة. قال الأزهري: الصُّفَّة موضع بهو مظلّل. واصطلاحاً: مكان مظلل في مؤخر المسجد النبوي أعدّ لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له ولا أهل.
أما مكانها فتقع الصفّة في الركن الشمالي الشرقي من المسجد النبوي في عهده صلى الله عليه وسلم، وهي أيضاً في الشمال الغربي من بيوت النبي صلى الله عليه وسلم (الحجرات)، وموقعها حالياً بالقرب من دكة الأغوات، وقد تشمل جزءاً منها. والصفّة: عبارة عن سقيفة أو مظلة تتكون أصلاً من الجذوع كأعمدة ثم سقف من الجريد وسعف النخيل.
ولما حولت القبلة إلى الكعبة كان لا بد من نقل الظلة التي أقيمت لتقي المصلين الحر والمطر من الجهة الشمالية إلى الجهة الجنوبية بيد أن الحاجة إليها لإيواء الفقراء والمساكين أوجبت بقاءها، وإقامة أخرى في الجهة الجنوبية، فبقيت ظلة القبلة الأولى مكاناً لأهل الصفّة، وأصبح للمسجد لأول مرة ظلتان، يتوسطهما صحن مكشوف.
يظهر مما سبق بأن الهدف الرئيسي من بناء الصفَّة هو إيواء فقراء الصحابة وتأمين معيشتهم، وخصوصاً أن الحالة المعيشية في المدينة وقت الهجرة كانت صعبة للغاية، وقد وصف تلك الحالة الصعبة رجلٌ من أهل الصفَّة وهو أبو هريرة رضي الله عنه، حيث يقول: «لقد رأيت سبعين من أهل الصفَّة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته». ولكن بعد مرور الزمن ومجيء الغنى قد تطورت أهداف ومهام الصفَّة فلم تكن مهمتها إيواء وإطعام الفقراء فحسب، بل أصبحت مثل دار الضيافة، تستقبل من لا أهل له ولا دار في المدينة إلى أن يتدبر أمره ويجد له سكناً ومصدر رزق يعيش منه.
وقد تناولها أصحاب السير والمؤرِّخون كثيراً وذلك لأهميتها، وقد اعتنى بجمع أسمائهم ابن الأعرابي، والسُّلمي، والحاكم، وأبو نعيم وغيرهم وفي بعضهم خلاف، وآخر من نشط لجمعهم العلامة الشيخ أبو تراب الظاهري في كتابه «أصحاب الصفَّة».
لم تشر الروايات إلى مساحة الظلة أو عدد صفوفها من الأسطوانات إلا أنه من المؤكد أنها كانت تمتد من شرق المسجد إلى غربه، أما عرضها من الجنوب إلى الشمال فلا توجد روايات تحدد هذه المسافة وتذكر بعض المصادر أن هذه الظلة كانت ثلاثة صفوف من الأعمدة، بكل صف تسع سوارٍ، وقد ضعف بعض العلماء هذا الرأي وقالوا بأنه لا داعي لبنائها بهذه المساحة الكبيرة في البداية، وقد حددها أحد المؤرخين فجعلها صفاً واحداً من السواري.
وهل خصص رسول الله صلى الله عليه وسلم مكاناً للنساء في الصفَّة، يظهر -والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم خصص مكاناً من الصفَّة للنساء فقط، ويدل على ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق سرق ترسا من صفة النساء، ثمنه ثلاثة دراهم. فكلمة «صفة النساء» تفيد بأن هناك موضعاً خاصاً للنساء فقط في الصفَّة.
ذُكِر أن أهل الصفَّة كانوا فقراء، كما تفيد المصادر التاريخية أن معظم من نزل الصفَّة كانوا من فقراء المهاجرين الذين لم يجدوا مكاناً ينزلون فيه، وأن أول من نزلها مهاجرو مكة، لذلك نسبت الصفَّة إليهم فقيل صفة المهاجرين، فعن واثلة ابن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أيُّ آية في القرآن أعظم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم). رواه البخاري. وكذلك كان ينزل بها الغرباء من الوفود التي كانت تقدم على النبي صلى الله عليه وسلم معلنة إسلامها وطاعتها، وكان الرجل إذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وكان له عريف نزل عليه، وإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفَّة. فكان أبو هريرة رضي الله عنه عريف من سكن الصفَّة من القاطنين ومن نزلها من الطارقين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد دعوتهم عهد إلى أبي هريرة فدعاهم لمعرفته بهم وبمنازلهم ومراتبهم في العبادة والمجاهدة، فعن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: «إن أصحاب الصفَّة كانوا أناساً فقراء». رواه البخاري.