الشيخ حامد بن محمد عطي: سيرةُ أمانةٍ في ذاكرة أملج – فائز بن سلمان  الحمدي

ليست منازل الرجال بما تقلّدوه من المناصب، ولا بما سبق أسماءهم من الألقاب؛ فكم من صاحب منصب انقضى منصبه فانقضى ذكره، وكم من رجل واراه التراب، وبقيت مآثره تمشي بين الناس كأن صاحبها لم يغب. وإنما تُعرف أقدار الرجال بما أقاموا من حق، ونشروا من علم، وحملوا من أمانة، وقضوا من حاجة، وتركوا في القلوب من ذكر طيب لا تستطيع السنون أن تمحوه. ومن أولئك الرجال الشيخ حامد بن محمد عطي الحربي -رحمه الله-؛ رجل مضى جسده إلى التراب، وبقي صوته في ذاكرة أملج، وبقيت خطاه في طرقاتها، وبقي شيء من علمه في صدور رجالها، وشيء من عدله في حكايات أهلها، وشيء من وفائه في تاريخها.

وإذا ذُكر اسمه لم تُذكر سيرة رجل واحد فحسب، بل تُفتح صفحة من صفحات أملج القديمة؛ يوم كانت الحياة أشد قسوة، والعيش أضيق، والمسؤوليات أثقل، وكان الرجال يُعرفون بما يحملون، لا بما يقولون.

وُلد الشيخ حامد في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، ونشأ في بيت موصول بتاريخ أملج ورجالاتها؛ ففتح عينيه على أملج ووالده إمامٌ وخطيبٌ لجامعها، وعرف أهلها وبيوتها وحاجاتهم، وحفظ أخبار رجالها. وشهد زمنًا كانت فيه الجزيرة العربية تخرج من شتات الفرقة واضطراب الأحوال إلى نعمة الاجتماع والأمن، في ظل الدولة التي وحّد أرجاءها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، -رحمه الله-. وعرف الشيخ حامد قدر تلك النعمة؛ فصدق في الولاء لدولته، ورأى في اجتماع الكلمة على ولي الأمر حفظًا للدين، وصيانةً للدماء، وأمنًا للديار. ولم يكن ذلك شعارًا على لسانه، بل دينًا وسلوكًا؛ فكان سلفي المعتقد، معظّمًا للكتاب والسنة، مقتديًا بهدي السلف الصالح، بعيدًا عن الغلو والبدع، داعيًا إلى الجماعة والسمع والطاعة في المعروف، محذرًا من مسالك الفرقة والفتنة. وجعل الله -عز وجل- له من العلم نصيبًا، ومن القبول بين الناس حظًا؛ فكان معلّمًا ومربيًا، وتولى إدارة المدرسة السعودية بأملج في زمن لم تكن المدرسة فيه جدرانًا وسبورةً وكتابًا فحسب، بل كانت نافذة يطل منها جيل كامل على مستقبل جديد. وبين يديه جلس أبناء أملج صغارًا، ثم مضت السنون فصاروا رجالًا، وبقي لمعلمهم في نفوسهم شيء لا تشيخ به الأيام. ثم حملته الكفاية العلمية والأمانة إلى ميدان من أثقل ميادين المسؤولية: القضاء؛ ذلك المجلس الذي تتعلق بأحكامه الحقوق، وتُفصل فيه الخصومات، ويخرج منه صاحب الحق وقد عاد إليه حقه، وآخر وقد عرف ما عليه. فتولى أعمالًا قضائية، ورئاسة محاكم في القنفذة والليث والعلا، وخرج عطاؤه من حدود بلدته إلى رحاب أوسع من وطنه، حاملًا معه علم المعلّم، وفقه العالم، وورع الرجل الذي عرف الناس وعرف حاجاتهم.

وما أصعب أن يكون المرء قاضيًا بين الناس؛ يسمع الخصمين فلا يميل قلبه إلى أحدهما، ويعرف الوجوه فلا يعرف في مجلس الحكم إلا الحق. هناك لا ينفع اسم ولا جاه، وإنما علم يمنعه من الجهل، وورع يحجزه عن الهوى، وحلم يكفه عن العجلة، وعدل يسوّي بين القريب والبعيد. ثم كان للمسجد في سيرته حكاية أخرى؛ حكاية امتدت أكثر من أربعين عامًا. فقد تولى الشيخ حامد إمامة الجامع الكبير بأملج والخطابة فيه، المعروف بـ«جامع البحر»، وكان الجامع الوحيد في البلدة آنذاك. أكثر من أربعين عامًا وهو يمضي إلى ذلك المحراب، ويتقدم صفوف أهله، ويرتقي ذلك المنبر؛ تتغير الوجوه من حوله، وتتبدل الأعمار والأجيال، وهو قائم على أمانته.

كم أذّن مؤذن، وكم أقيمت صلاة، وكم مر رمضان، وكم أقبل عيد، وكم وقف الناس خلفه وقد امتلأت صدورهم بالدعاء! وكم صعد منبر الجمعة، فنظر إلى وجوه عرف أصحابها صغيرًا وكبيرًا، غنيًا وفقيرًا، ثم ذكّرهم بالله -سبحانه وتعالى-، ودعاهم إلى الخير، وجمعهم على كلمة الدين.

أربعة عقود وأكثر لم يكن فيها إمام مسجد فحسب؛ بل كان للمحراب عهد في عنقه، وللمنبر أمانة في قلبه، ولأهل بلدته نصيب من علمه ووعظه. نشأ أطفال وهم يسمعون صوته، ثم شبّوا رجالًا، ثم جاء أبناؤهم إلى الجامع نفسه، والشيخ حامد لا يزال هناك؛ يؤم الناس إذا اصطفوا، ويخطب فيهم إذا اجتمعوا.

ولكم حشرج صوته بالبكاء على منبره، وغلبته العبرة وهو يذكّر الناس بربهم والدار الآخرة؛ فما كان المنبر عنده مقام كلام، بل مقام خشية وأمانة، تخرج منه الكلمة وقد مرّت على القلب قبل أن تبلغ الأسماع. حتى ليخيّل لمن يستعيد تلك الأيام أن شيئًا من صوته ما يزال عالقًا في ذاكرة المكان، وأن جدران جامع البحر لو نطقت لحدّثت عن رجل أفنى جانبًا عظيمًا من عمره واقفًا بين محراب ومنبر. ولم ينته واجب العلم عند باب المسجد؛ فقد اضطلع بالفتوى زمنًا، وقسم التركات بين أهلها، فطرق الناس بابه في مسائل دينهم وحقوقهم، وائتمنوه على ما يكون بين الوارث ووارثه، وعلى أموال ربما أفسدت الخصومة فيها ما بين الأقربين. وما أثقل الفتوى حين تتعلق بذمة، وما أدق ميزان المواريث حين يتعلق بحقوق الضعفاء!

ولا يضع الناس حقوقهم بين يدي رجل إلا وقد عرفوا من علمه ما يطمئنهم، ومن دينه ما يأمنون معه، ومن أمانته ما يجعل القلب ساكنًا إلى قوله وحكمه. واتسع ميدان خدمته العامة، فتولى رئاسة بلدية أملج، وكان له حضور في مجلسها البلدي، فلم ير المسؤولية بابًا إلى نفسه، وإنما بابًا إلى الناس. ومن المواقف التي بقيت تُروى عنه أن ضريبة شقّت على الصيادين، وأملج يومئذ بلدة يعانق أهلها البحر، ويخرج كثير منهم إليه يرجون رزقًا قد يجود به يومًا ويضن به أيامًا؛ فحمل الشيخ حامد حاجة قومه، ورفع أمرهم إلى الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، ناصحًا بأدب، ومبينًا حالهم بصدق، حتى تذكر الرواية أن الضريبة أُلغيت.