الشهيد الحي.. العقيد حلمي زكي لـ “صدى البلد”: حطمنا أسطورة الجيش الذي لا يقهر خلال حرب أكتوبر

في الذكرى الـ53 لانتصارات حرب السادس من أكتوبر، تستعيد مصر واحدة من أعظم صفحات تاريخها الحديث؛ يوم تمكنت القوات المسلحة من عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، وتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، في معركة جسدت إرادة المصريين وقدرتهم على تحويل الهزيمة إلى دافع للنصر، والتحدي إلى إنجاز عسكري شهد له العالم.

وبمناسبة هذه الذكرى، استعاد العقيد حلمي زكي محمد، أحد أبطال حرب أكتوبر 1973، تفاصيل مشاركته في المعركة، وكشف خلال حواره مع "صدى البلد" كواليس اختيار ساعة الحرب، وأسرار خطة خداع العدو، وكيف تعامل المقاتل المصري مع النقاط الحصينة والموانع التي أقامتها إسرائيل على الضفة الشرقية للقناة، وصولا إلى لحظة العبور والإصابة التي كادت أن تضع حدا لحياته، قبل أن يخرج منها حيا، ليلقب بعد ذلك بـ "الشهيد الحي".

في بداية حديثه، يقول العقيد حلمي زكي أنه تخرج في الكلية الحربية عام 1969، ثم انضم بعد ذلك إلى قوات الصاعقة، قبل أن يلتحق بعد ذلك بسلاح المشاة، وكانت التدريبات شاقة ومكثفة، إذ كانت تمتد في بعض الأحيان إلى 16 ساعة يوميا، واستمرت لنحو خمسة أشهر، أعقبها التدريب على الذخيرة الحية، سواء باستخدام الدبابات أو المدرعات.

ويضيف: "تحملنا هذه التدريبات بكل حب، لأننا كنا على يقين تام بأن مصر ستخوض حربا ضد إسرائيل من أجل استرداد سيناء، وكنا نؤمن بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وكان هذا هو الهدف الأساسي والرئيسي من كل ما نقوم به من تدريب وإعداد، وكان قائدي آنذاك الرائد محمد الشافعي، وكان يغرس في داخلنا قيم الحب والانتماء للوطن والالتزام والمسؤولية".

ويكشف العقيد حلمي زكي أن التدريبات لم تقتصر على الجانب البدني والقتالي، وإنما امتدت إلى الاستطلاع ودراسة الأرض، قائلا: "كنا نجري تدريبات متتالية على الضفة الأخرى، وننفذ عمليات استطلاع من خلال تسلق الأشجار الموجودة في مناطق التدريب، وكنا نرى منطقة سيناء أمامنا، حتى نتشبع بها ونشعر بأنها أرضنا التي يجب أن نحررها ونخلصها من أيدي العدو".

ويؤكد العقيد حلمي زكي أن الخداع كان أحد أهم عناصر الحرب، موضحا أنه دون خداع لا تستطيع أن تكسب الحرب، ولذلك كان لابد من خداع العدو وإخفاء النوايا الحقيقية للقوات المصرية حتى تأتي لحظة المواجهة.

ويؤكد العقيد حلمي زكي أن خطة الخداع لم تكن مقتصرة على المستويات العليا، وإنما امتدت إلى الوحدات الصغيرة، قائلا: "كانت هناك إجراءات لخداع العدو على مستوى الوحدات الصغيرة؛ فمجموعة من الجنود كانت تلعب كرة القدم، ومجموعة أخرى تخرج لصيد الأسماك، فيما كانت مجموعة ثالثة تنشر ملابسها، حتى ينعكس لدى الجانب الآخر انطباع بأن الحياة تسير بصورة طبيعية، وأنه لا توجد أي استعدادات للحرب".

ويكشف بطل حرب أكتوبر عن أحد أخطر التحديات التي واجهت القوات المصرية خلال الاستعداد للعبور، وهو استخدام إسرائيل لمادة النابالم، حيث أكد أنه كان من أخطر الموانع التي واجهتها القوات المصرية خلال الحرب، وهي مادة شديدة الاشتعال، وكان العدو يمتلك 22 نقطة قوية منتشرة من بورسعيد إلى السويس، وفي كل نقطة خزان للنابالم متصل بماسورة ممتدة إلى قناة السويس.

وأكد أن الهدف من ذلك هو إشعال مياه القناة بالنابالم في حالة بدء القوات المصرية عملية العبور، بحيث تتحول القناة إلى كتلة من اللهب أمام القوات المهاجمةلكن القوات المصرية تعاملت مع هذا التحدي بإصرار وإبداع، حيث جرى اختراق خزانات النابالم وسدها بمواد أسمنتية وحديدية، بعد اختبارها والتأكد من قدرتها على التعامل مع المواسير ومنع تدفق المادة المشتعلة.

ويستعيد العقيد حلمي زكي لحظة صدور الأمر ببدء الحرب، قائلا: "في السادس من أكتوبر، وتحديدًا في نحو الساعة الحادية عشرة صباحًا، وصل إلينا مظروف يتضمن المعلومات الخاصة بموعد بدء الحرب، وأن الساعة الثانية ظهرا ستكون ساعة الصفر عقب تنفيذ الضربة الجوية، وبدأنا على الفور في تجهيز الأسلحة والمعدات، وشاهدنا نحو 220 طائرة على امتداد الجبهة تنفذ الضربة الجوية وتستهدف مواقع العدو والصواريخ والمدفعية التي يمكن أن تستخدم ضد قواتنا ، وكنا نشاهد الانفجارات ونشم رائحة البارود، وبعد عودة الطائرات بدأت نحو ألفي ماسورة مدفع على الجبهة في قصف مواقع العدو.

وتابع: "في تمام الساعة 2:10 ظهرا، حملنا القوارب التي كان يستقل كل واحد منها نحو عشرة من أبطال القوات المسلحة، وبدأنا عبور قناة السويس، واستغرقت عملية عبور المسافة المائية نحو 200 متر قرابة عشر دقائق، وساعدنا في التغلب على الساتر الترابي استخدام السلالم الخشبية".

ويستعيد العقيد حلمي زكي واحدة من أخطر اللحظات التي عاشها خلال الحرب، قائلا: "كلفت في تلك الفترة بتعويض الذخيرة التي فقدتها الكتيبة، وكان قوامها في ذلك الوقت يقترب من ألف ضابط وصف وجندي، وهو ما يمثل تشكيلا قتاليا في ظروف الحرب، وقررت العودة إلى منطقة الغرب في وقت متأخر من الليل، وجهزت خمس سيارات محملة بالذخيرة، تمهيدا لدعم القوات واستكمال الاستعدادات لبناء الكباري صباح السابع من أكتوبر بواسطة المهندسين العسكريين.

ويتابع: "بعد إطلاق النار على عناصر العدو، تفرقوا وبدأوا في الاحتماء بتبة مرتفعة، وأدركت أن نجاح المهمة يتطلب اتخاذ قرار سريع، فإما أن أتوقف وأؤجل المهمة، أو أتحمل مسؤولية القرار وأواصل التنفيذ".

وكشف: "خطرت لي فكرة أن آخذ سيارة جيب وبها ست دانات، وألتف بها تجاه النقطة القوية لإشغال عناصر العدو عن السيارات الخمس المحملة بالذخيرة، على أن أتعامل معهم بمفردي في السيارة، وبذلك أتيح لباقي السيارات استكمال مهمتها وإيصال الذخيرة إلى الكتيبة، واتفقت مع سائقي السيارات الخمس على الخطة، رغم تخوفهم الشديد على حياتي من خطورة القرار، حتى إنني رأيت أحد السائقين يبكي خوفا علي، فقلت له إن هذا واجبنا الوطني تجاه وطن كبير اسمه مصر".

وأوضح: "الخطة نجحت بهذه الطريقة؛ تحركنا في اتجاه الشرق وأطلقت النار عليهم لإشغالهم، بينما تمكنت السيارات الأخرى من مواصلة طريقها وإيصال الذخيرة إلى الكتيبة، و كانت فرص بقائي على قيد الحياة تقترب من الصفر، لكنني تعمدت استكمال المهمة والخطة التي وضعتها، وبعد ذلك انفجرت السيارة التي كانت تحتوي على نحو 150 لترًا من البنزين وست دانات".

وأضاف: "عدنا باتجاه الساتر، ثم بدأ العدو في التعامل معنا بمدافع نصف بوصة وطلقات حارقة وأنواع مختلفة من الذخيرة، وسمعت الضابط نادر يصرخ ويقول: «أنا أُصبت يا فندم». كنت أحمل بندقية وبها ثلاث خزنات ذخيرة، فكلفت أحد المجندين بحمل الضابط إلى مكان آمن، بينما استمر إطلاق النار، حتى أصبت بشظايا وتعرضت لنزيف شديد، وشعرت في تلك اللحظة أنني أعيش الدقائق الأخيرة من حياتي، لكنني لم أفكر في أحد أو في شيء سوى مصر، وأن أرى سيناء محررة".

ويستكمل العقيد حلمي زكي: "وصلت الأخبار إلى قائد الكتيبة بأنني استشهدت، فقام الضابط محمد محمد بركات بحملي على كتفيه حتى وصلت إلى الكتيبة، وكنت واثقا بنسبة 100% أن تلك ستكون أيامي الأخيرة في القوات المسلحة، لكنني نجوت من الإصابة، ومنذ ذلك الوقت أطلق علي زملائي لقب الشهيد الحي.