الشـك الذي يوقـظ العقـل
«لا يوجد شيء، وإن وُجد شيء فالإنسان قاصر عن إدراكه، وإن فرضنا أن الإنسان أدركه فلن يستطيع أن يبلّغه لغيره». تُنسب هذه المقولة إلى غورغياس، أحد فلاسفة الشك، وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى مجحفة بحق الإنسان وقدرته على الإدراك واكتساب المعرفة وتحصيل العلم. فقد اشتهر غورغياس باعتناقه حالة من الشك المطلق، شكٍّ يمتد إلى الموجودات كافة، بل يتجاوزها إلى التشكيك في وجود الإنسان نفسه. غير أن هذه العبارة، على ما فيها من تطرف، قد تنطوي على معانٍ أعمق؛ إذ يمكن النظر إليها بوصفها تساؤلًا عن حدود المعرفة الإنسانية، وعن حجم ما يستطيع العقل استيعابه من هذا الفيض اللامحدود من المعارف. فالمعرفة لا يمكن اختزالها أو الإحاطة بها إحاطة كاملة داخل وعاء العقل البشري المحدود. ومن جهة أخرى، تثير العبارة سؤالًا جوهريًا عن قيمة الشك ذاته: هل يكون الشك أداة لهدم المفاهيم فحسب، أم وسيلة لتجديدها وتطويرها، وربما نقضها ثم الإتيان بما هو أمتن منها وأكثر اتساقًا؟ يمكن اعتبار الشك جزءًا أصيلًا من طبيعة الإنسان، بحكم محدودية عقله وعجزه عن تفسير كل شيء، ولا سيما القضايا الغيبية والتساؤلات الإيمانية التي لا يمكن إخضاعها بصورة كاملة لأدوات المنطق والعلم التجريبي. ولعل القرآن قد أشار إلى هذا المعنى في مشهد طلب نبي الله إبراهيم عليه السلام رؤية كيفية إحياء الموتى، حين قال: (رب أرني كيف تحيي الموتى)، فجاءه الجواب: (أولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي). ويقودنا هذا المشهد إلى فكرة بالغة الأهمية، وهي أن المعرفة التي تتولد بعد قدر من الشك تكون أرسخ فهمًا وأقرب إلى اليقين؛ لأنها ثمرة بحث أعمق، وتأمل أوسع، وتحليل أشد تمحيصًا، حيث يظهر ما يُعرف بـ(الشك المنهجي) “Methodological Skepticism”، وهو شك مؤقت يسعى الى الحقيقة عبر تمحيص الموروث، واختبار المعارف، والتدقيق فيها للوصول إلى صورة أكثر يقينًا واتساقًا. ويمكن أن نأخذ د.مصطفى محمود – رحمه الله - مثالًا بارزًا على هذا النوع من الشك المحمود الذي يقود الإنسان، في نهاية المطاف، إلى ملامسة أهداب الحقيقة. فقد أفرد كتابًا كاملًا عن رحلته الفكرية بعنوان رحلتي من الشك إلى الإيمان، أمضى خلالها سنوات طويلة في البحث والتأمل والمراجعة. غير أن هذه الرحلة الشاقة تمخضت عن نضج بصيرته، وغزارة فكره، وقدرته على تبسيط أعقد المفاهيم والتساؤلات الغيبية والإيمانية، وصياغتها بأسلوب يصل إلى الصغير قبل الكبير، وإلى العامي قبل المتعلم. ولعل ذلك كله لم يكن ليتحقق لولا خوضه غمار تلك المرحلة بكل ما فيها من شك وتساؤل. أما بالعودة إلى قصة إبراهيم عليه السلام، فلعلّ ما ترسخ في نفسه من طمأنينة ويقين بقدرة الله، بعد سؤاله عن كيفية إحياء الموتى، يفسّر جانبًا من سرعة امتثاله في حادثة ذبح إسماعيل، من غير تردد أو ريبة. فالشك الذي قاده -سابقا- إلى مزيد من الطمأنينة، عمّق يقينه ورسّخه في أشد مواطن الابتلاء. ومن خلال مقارنة سريعة بين ثقافتنا والثقافة الغربية، يمكن ملاحظة أن الفكر الغربي الحديث يميل إلى الاعتماد على ما هو عقلاني وتجريبي، فلا يُسلَّم بأي أمر إلا إذا استطاع العقل البشري تفسيره بأدوات المنطق والعلم. غير أن هذه النزعة قد تُدخل الإنسان أحيانًا في متاهة من الشك الذي لا نهاية له، كما حدث مع غورغياس وغيره من فلاسفة الشك المطلق. ولعل جوهر المسألة يكمن في إدراك أن عقولنا محدودة، وأن معارفنا كذلك محدودة، الأمر الذي يبرز أهمية «الإيمان» والذي بدوره يسبر أغوار المفاهيم التي تعجز أدواتنا المادية عن الإحاطة بها أو تفسيرها تفسيرًا كاملًا؛ أي أنه الملجئ الحصين أمام الإرتياب. لحظة ختام: العقل الذي لا يسأل عقل خامد، أما العقل الذي يشك بحثًا عن اليقين فهو عقل حيّ لا يتوقف عن الاكتشاف والتأمل حيث يعتبر خورخي لويس بأن «الشك اسم من أسماء الذكاء!» غورغياس