وفي المقابل أسهم الهجاء في إسقاط المكانة الاجتماعية لبعض الأشخاص والقبائل، وهو ما يوازي اليوم الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام في بناء الصورة الذهنية للشخصيات العامة وصناع القرار، «المصدرـ ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء؛ ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه»..
ولعب الشعر أيضًا دورًا بارزًا في توثيق البيئة العربية، إذ وصف الجبال والوديان والسهول والنجوم والأمطار والنباتات والحيوانات وطرق القوافل والأسواق، ولذلك اعتمد عليه المؤرخون والجغرافيون في إعادة رسم صورة الحياة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولم يعد مجرد نص أدبي، بل أصبح وثيقة إعلامية وتاريخية واجتماعية ذات قيمة علمية كبيرة، ومن الجوانب المهمة أن الشعر الجاهلي أسهم في نشر الثقافة والمعرفة بين الناس، فكان ينقل الخبرة الإنسانية، ويعلم الأجيال مكارم الأخلاق، ويعرض التجارب والحكم، ويحذر من الأخطاء، ويبرز نتائج الحروب والتحالفات، ولذلك يمكن اعتباره وسيلة للتثقيف الجماهيري قبل ظهور المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام الحديثة، ويؤكد علماء الإعلام أن الرسالة الناجحة هي التي تجمع بين المعلومة والتأثير، وهو ما حققه الشعر الجاهلي بامتياز؛ فقد قدم معلومات دقيقة عن المجتمع العربي، وصاغها في قالب بلاغي مؤثر يسهل حفظه وتناقله، فبقيت تلك الرسائل حية في الذاكرة العربية أكثر من ألف و500عام، وأصبحت مصدرًا رئيسيًا للأدباء والمؤرخين والباحثين في الإعلام والاتصال.
ومن هنا يمكن النظر إلى الشعر الجاهلي بوصفه أول مؤسسة إعلامية شعبية في التاريخ العربي، فقد جمع بين الإخبار، والتوثيق، والتفسير، والإقناع، والتأثير، وحماية الهوية، وصناعة الرأي العام، وإدارة السمعة، ونقل الثقافة، وهي وظائف ما زالت تمثل الركائز الأساسية للإعلام الحديث مع اختلاف الوسائل والتقنيات فقط، أما جوهر الرسالة الإعلامية فقد ظل ثابتًا عبر العصور.
ومن أبرز الأدلة على القوة الإعلامية للشعر الجاهلي أن عددًا من القصائد تجاوز حدود قبائل أصحابها، وانتشر في أنحاء الجزيرة العربية حتى أصبح معروفًا لدى مختلف القبائل، واستمر تأثيره بعد مئات السنين بفضل الرواة والعلماء وكتب الأدب. فقد عُدت المعلقات أشهر نموذج للإعلام الجماهيري في العصر الجاهلي، لأنها جمعت بين جودة الرسالة وقوة التأثير وسعة الانتشار، حتى أصبحت تُحفظ وتُروى في الأسواق والمنتديات الأدبية، وتُدرس إلى يومنا هذا، «المصدرـ الزوزني، شرح المعلقات السبع؛ شوقي ضيف، العصر الجاهلي».
ومن أشهر تلك القصائد معلقة امرئ القيس التي نقلت صورة دقيقة عن حياة العرب، ووصف الصحراء، والرحلات، والفروسية، والعلاقات الاجتماعية، حتى أصبحت من أكثر القصائد تداولًا بين الرواة، كما اشتهرت معلقة زهير بن أبي سلمى لما حملته من رسائل تدعو إلى الصلح ونبذ الحرب، بعد حرب داحس والغبراء، فكانت نموذجًا مبكرًا للإعلام الداعي إلى السلم الاجتماعي، بينما خلدت معلقة عنترة بن شداد قيم الشجاعة والبطولة والدفاع عن الكرامة، وأصبحت رمزًا إعلاميًا للفروسية العربية، في حين اشتهرت معلقة طرفة بن العبد بطرحها قضايا الشباب والحياة والموت.
أما معلقة لبيد بن ربيعة فقد تميزت بالحكمة والتأمل، ونالت مكانة كبيرة بين العرب، كما برزت معلقة عمرو بن كلثوم بوصفها من أقوى القصائد التي دافعت عن كرامة قبيلتها، وأثرت في الرأي العام القبلي، فيما اشتهرت معلقة الحارث بن حلزة اليشكري لأنها ألقيت أمام الملك عمرو بن هند للدفاع عن قبيلته بالحجة والبيان، وهي تمثل نموذجًا مبكرًا للإعلام الترافعي والدفاع عن الحقوق، «المصدرـ الزوزني، شرح المعلقات السبع؛ أبو الفرج الأصفهاني، كتاب الأغاني»، ولم تقتصر شهرة الشعر الجاهلي على المعلقات، بل انتشرت كذلك قصائد النابغة الذبياني التي تناولت السياسة والعلاقات بين القبائل، وقصائد الأعشى التي وصفت الأسواق والتجارة والملوك، وقصائد الشنفرى وفي مقدمتها لامية العرب التي أصبحت من أكثر النصوص تداولًا في الأدب العربي لما حملته من قيم الاعتزاز بالنفس وقوة الأسلوب، كما ذاعت قصائد تأبط شرًا بين العرب لما تميزت به من وصف للمغامرة والجرأة، «المصدر ـ ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء؛ ابن قتيبة، الشعر والشعراء»، وتؤكد هذه النماذج أن الشعر الجاهلي لم يكن مجرد إنتاج أدبي، بل كان وسيلة إعلام جماهيرية قادرة على نشر الأخبار، وصناعة الرموز، وتوجيه الرأي العام، وتوثيق الأحداث، وبناء الصورة الذهنية للأفراد والقبائل، حتى إن كثيرًا من أسماء الشعراء ما زالت حاضرة في الذاكرة العربية بعد أكثر من 1500 عام، وهو دليل على قوة الرسالة الإعلامية عندما تجمع بين المصداقية والبلاغة وسعة الانتشار، «المصدرـ ابن خلدون، المقدمة؛ محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير؛ شوقي ضيف، العصر الجاهلي».
وإذا كان نجاح أي وسيلة إعلامية يقاس بمدى استمرار رسالتها وتأثيرها عبر الزمن، فإن الشعر الجاهلي يمثل أحد أنجح النماذج الإعلامية في التاريخ العربي؛ إذ بقيت قصائده حاضرة في الذاكرة الجمعية لأكثر من 15 قرنًا، وتناقلتها الأجيال حفظًا وروايةً وكتابةً، واعتمدت عليها الجامعات ومراكز البحث في دراسة التاريخ واللغة والأدب والإعلام، وهو ما يؤكد أن الرسالة الإعلامية الناجحة لا ترتبط بوسيلة النشر بقدر ارتباطها بقوة المضمون وصدق التأثير، «المصدرـ ابن خلدون، المقدمة؛ شوقي ضيف، العصر الجاهلي»،
وفي رأيي، أن هذا دليل على قوة الرسائل التي كانت تهم حياة الناس في تلك المرحلة وهي رسائل إعلامية تصدر من المرسل ومصدر الرسالة وهو الشاعر الذي اتاه الله مهارة البلاغة الشعرية في زمن كان حلم آلاف البشر أن يكونوا شعراء إلم يكن جميعهم شعراء، يحسنون الوصف والبلاغة وإرسال الرسائل، تصدرهم شعراء الجاهلية التي بقت أسمائهم حتى يومنا الحالي، وكل هذا يندرج في ممارسة الإعلام بكل معانية، ومن اللافت أن كثيرًا من الأساليب الإعلامية المعاصرة يمكن العثور على جذورها في الشعر الجاهلي؛ فقد استخدم الشعراء الإثارة لجذب الانتباه، والتكرار لترسيخ الرسالة، والوصف الدقيق لبناء الصورة الذهنية، والمقارنة للإقناع، والسرد القصصي لتقريب الأحداث إلى الجمهور، كما اعتمدوا على مخاطبة العاطفة والعقل معًا، وهي أدوات ما زالت تمثل أساس صناعة المحتوى الإعلامي الحديث، سواء في الصحافة أو الإذاعة أو التلفزيون أو المنصات الرقمية، كما تكشف دراسة الشعر الجاهلي أن المجتمع العربي أدرك مبكرًا أهمية المحتوى قبل الوسيلة؛ فالشاعر الذي يمتلك رسالة قوية وأسلوبًا مؤثرًا كان قادرًا على الوصول إلى آلاف الأشخاص رغم غياب التقنيات، بينما قد يفشل صاحب الرسالة الضعيفة مهما امتلك من وسائل، وهذه الحقيقة ما تزال تؤكدها دراسات الإعلام الحديثة التي ترى أن جودة المحتوى هي العامل الحاسم في نجاح الرسائل الإعلامية واستمرار تأثيرها، «المصدرـ دينيس ماكويل، نظرية الاتصال الجماهيري؛ محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير».