تشهد الساحة اليمنية منذ أواخر أغسطس وحتى الأسبوع الأول من سبتمبر 2026 واحدة من أعنف موجات التصعيد الميداني منذ هدنة 2022، إذ اندلعت مواجهات ضارية بين القوات الحكومية الشرعية وجماعة الحوثيين، امتدت أفقيًا من الساحل الغربي إلى الشمال، ومن تعز في الوسط إلى مأرب وحضرموت في الشرق، فيما رافقها تصعيد بحري وصاروخي غير مسبوق في محيط مضيق باب المندب، الذي بات شريانًا مهمًا لتجارة الطاقة العالمية في ظل اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز. ولا تبدو هذه التطورات منفصلة عن بعضها، بل تتشكل وفق نسق واحد عنوانه محاولة كل طرف إعادة رسم خريطة النفوذ في البلاد قبل أي مفاوضات سياسية قادمة. خلفية التصعيد: لماذا الآن؟ اندلعت المواجهات الحالية في الثالث من سبتمبر 2026 بهجوم بري واسع شنّه الحوثيون على عدة جبهات في تعز والحديدة، تزامن مع إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت مناطق ساحلية مطلة على البحر الأحمر ومحور تعز. وسرعان ما انتقلت المواجهات من مناوشات محدودة إلى عمليات كرّ وفرّ واسعة، قبل أن تعلن القوات الحكومية، في السابع من سبتمبر، أنها أحكمت سيطرتها على معسكر اللبنات الاستراتيجي في الجوف، وحررت مواقع في البيضاء، واستعادت تبابًا حيوية في تعز. وأسفرت المعارك، بحسب مصادر طبية، عن سقوط ما بين 117 و300 قتيل من المدنيين والعسكريين، ونزوح عشرات العائلات من مناطق التماس. جبهة تعز: مفتاح السيطرة على الساحل الغربي تُعد جبهة تعز، وتحديدًا مديريات مقبنة والكدحة وجبل حبشي والموزع في القطاع الغربي للمحافظة، من أخطر الجبهات وأكثرها تعقيدًا من الناحية الجيوسياسية. فالسيطرة على هذه المديريات تعني عمليًا الإشراف على الطريق الذي يربط مدينة تعز بميناء المخا الساحلي، وبالتالي الاقتراب من مضيق باب المندب. وقد أعلنت القوات الحكومية خلال الأسبوع الماضي سيطرتها على نقيل وجبل الكورة في جبهة الكدحة، وتبة الخزان في جبل حبشي، إضافة إلى تبة مكاحنة، إلى جانب دحر ثلاثة أنساق هجومية متتالية للحوثيين حاولت اختراق الخطوط الأمامية في محور البرح. وفي المقابل، كثّف الحوثيون قصفهم الصاروخي على المدينة، وأطلقوا ستة صواريخ باليستية على تعز بالتزامن مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة، في محاولة لكسر الزخم الحكومي وفتح ثغرة باتجاه المخا. وتكمن أهمية هذا المحور في كونه الجسر البري بين الهضبة الوسطى والساحل الغربي، ومن يحقق تفوقًا ميدانيًا فيه يمتلك موقعًا متقدمًا ومؤثرًا في معادلة حماية الساحل والمناطق القريبة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم. جبهة الجوف: ثقل استراتيجي في العمق الشمالي في شمال البلاد، مثّلت محافظة الجوف مفاجأة الأسبوع الميداني، إذ أطلقت القوات الحكومية، بمشاركة المنطقة العسكرية السادسة وقوات الطوارئ ودرع الوطن، عملية واسعة انتهت، وفق ما أعلنته مصادر حكومية، بالسيطرة على معسكر اللبنات، أحد أبرز المواقع العسكرية في المحافظة، الذي يضم مخازن أسلحة ومقرات قيادة حوثية. وأعطى هذا الموقع، الذي يقع على طرق تربط الجوف بصنعاء وصعدة ويشرف على مركز المحافظة، مدينة الحزم، القوات الحكومية أفضلية لوجستية وميدانية مهمة، ومهّد لتحرير قرية المساعفة والاستمرار في التقدم نحو عمق الحزم. وأكد المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد ماجد النزيلي، أن العملية استخدمت «قدرات متخصصة» دخلت الخدمة حديثًا، في إشارة إلى أسلحة نوعية استهدفت قدرات الجماعة بدقة. كما أعلنت مصادر عسكرية مقتل قيادات حوثية بارزة في المنطقة، أبرزهم عادل مداعس، الملقب بـ«أبو صقر»، قائد لواء الاحتياط في المنطقة العسكرية السادسة التابعة للحوثيين. جبهة البيضاء: امتداد جديد لساحة المواجهات دخلت محافظة البيضاء، وسط اليمن، خط المواجهات فعليًا خلال الأسبوع الجاري، لتُضاف إلى قائمة الجبهات المشتعلة. فقد شنّ الطيران الحربي التابع للحكومة الشرعية في اليمن أكثر من 11 إلى 13 غارة جوية، استهدفت مواقع وثكنات وتجمعات حوثية في مديريات الشرية وذي ناعم والبيضاء والسوادية والزاهر، بينها منصة لإطلاق الصواريخ، قبل أن تنطلق عملية برية واسعة وصلت إلى عزلة الناصفة وقرية ذي امخشب. وتكتسب البيضاء أهميتها من كونها تربط مأرب شمالًا بإب وتعز جنوبًا، ومن كونها منطلقًا يمكن أن يهدد خطوط إمداد الحوثيين بين صنعاء ومحافظات الوسط، فضلًا عن كونها منطقة نفوذ قبلي متقلب يمكن أن تتغير فيها موازين القوى الميدانية عند حدوث أي انكسار في صفوف الجماعة. وبات انتقال العمليات إلى البيضاء مؤشرًا على أن الحكومة عازمة على توسيع رقعة الضغط بدل الاكتفاء بالدفاع في الجبهات التقليدية. باب المندب: الشريان الذي يُعاد رسم خريطة السيطرة حوله لا يمكن فصل هذا التصعيد البري عن البعد البحري؛ فباب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه 29 كيلومترًا في أضيق نقطة، تمر عبره نسبة مهمة من التجارة البحرية العالمية، وهو البوابة الجنوبية لقناة السويس. ومنذ يوليو 2026، أعلن الحوثيون حصارًا بحريًا على الشحنات السعودية، تلاه في أغسطس هجوم على ناقلتي نفط سعوديتين في مياه المضيق، واستهداف سفينة الشحن «تهامة» قبالة المخا، ما أدى، بحسب التقارير الواردة، إلى مقتل أربعة من طاقمها وعنصرَي إنقاذ. وخلال أسبوع واحد فقط، من 9 إلى 14 أغسطس، وثّقت تقارير سقوط نحو 40 صاروخًا و46 طائرة مسيّرة على مدينة المخا ومحيط مينائها. وقد حذّر وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني من أن الحوثيين، بدعم وتوجيه من النظام الإيراني، يستعدون للسيطرة على مناطق الساحل الغربي الممتدة من الخوخة إلى المخا وصولًا إلى باب المندب، فيما تحدثت تقارير إعلامية نقلًا عن مصادر حوثية عن استعدادات لعملية في المنطقة. وأمام هذا التهديد، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أن الدولة لن تسمح بتحقيق هدف النظام الإيراني في السيطرة على المضيق، معتبرًا أن «أي مغامرة باتجاه هذه المناطق ستتحول إلى استنزاف قاسٍ» للحوثيين. الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع لا يمكن فهم التصعيد الراهن بمعزل عن السياق الإقليمي المضطرب. فإيران، التي تواجه منذ فبراير 2026 ضغوطًا أمريكية وإسرائيلية مباشرة على خلفية تطورات المنطقة ومضيق هرمز، تجد في الحوثيين أداة ضغط إقليمية تمتد آثارها من الخليج العربي إلى البحر الأحمر. وقد أشارت تقارير غربية إلى أن طهران تسعى من خلال هذا المسار إلى رفع سقف التفاوض وإظهار قدرتها على التأثير في إمدادات النفط والغاز العالمية، في حال تعرض حركة الملاحة في هرمز وباب المندب للاضطراب في آن واحد. وفي المقابل، تواصل المملكة العربية السعودية دعم الحكومة اليمنية الشرعية ومؤسسات الدولة اليمنية، إلى جانب جهودها الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن وحماية أمن المنطقة والملاحة الدولية، مع تمسكها بالحل السياسي الشامل للأزمة اليمنية. وفي الوقت ذاته، يواصل الحوثيون توجيه اتهامات إلى المملكة بالمشاركة في العمليات العسكرية، وهي اتهامات تندرج ضمن خطاب الجماعة ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق ما لم تؤكدها مصادر رسمية مستقلة. ملامح المرحلة القادمة تتجه المعطيات الميدانية إلى أن ما يجري ليس مجرد تصعيد تكتيكي؛ فالتحركات في تعز والجوف والبيضاء قد تفتح الباب أمام تغيير في موازين القوى الميدانية، بالتوازي مع الأهمية المتزايدة لمضيق باب المندب، الذي أصبح ورقة استراتيجية شديدة الحساسية في ظل الاضطرابات التي تشهدها ممرات الطاقة والملاحة في المنطقة. فإذا نجحت القوات الحكومية في تثبيت مكاسبها وتوسيعها، فإن المرحلة القادمة قد تشهد تحولًا مهمًا في موازين القوى على الأرض، بما يعزز قدرة الحكومة الشرعية على حماية المناطق الساحلية ويحد من قدرة الحوثيين على تهديد باب المندب والملاحة الدولية. وسيظل باب المندب، كما كان دائمًا، أحد أهم شرايين التجارة والطاقة المفتوحة أمام العالم، فيما يمثل الحفاظ على أمنه واستقرار الملاحة فيه مصلحة يمنية وإقليمية ودولية تتجاوز حسابات أطراف الصراع. عميد ركن متقاعد