الشراكة الحرة أم الشراكة المقيدة بين التعليم والقطاع الخاص؟ – د.شريف بن محمد الأتربي

لم يعد دخول القطاع الخاص إلى التعليم توجهًا مستقبليًا، بل أصبح واقعًا يتوسع في عدد من الأنظمة التعليمية حول العالم، كما أصبح جزءًا من مسار تطوير التعليم في المملكة العربية السعودية.

ومع صدور نظام التعليم العام الجديد، وما تضمنه من توجهات تتيح إسناد تشغيل المدارس الحكومية إلى القطاع الخاص وغير الربحي، وإتاحة نماذج تعليمية تختلف في محتواها أو طريقة إدارتها عن النماذج التقليدية، فإن النقاش حول الشراكة بين التعليم والقطاع الخاص لم يعد نقاشًا نظريًا.

لقد انتقلنا من مرحلة السؤال: هل نريد القطاع الخاص في التعليم؟

إلى أسئلة أكثر أهمية: أي شراكة نريد؟ ما حدود استقلالية الشريك؟ ما الذي يجب أن يبقى بيد الوزارة؟ ومن هو الشريك الذي نسمح له بالدخول إلى العملية التعليمية؟ وهل يكون اختيار الشريك وفق أقل سعر، أم وفق أعلى قيمة تعليمية؟ ومن يقيس أداءه؟ وماذا يحدث إذا أخفق؟

هذه الأسئلة يجب أن تجد إجابات واضحة قبل أن تبدأ عملية التوسع؛ لأن التعليم ليس خدمة تجارية عادية، وأي خطأ في تصميم الشراكة قد لا تظهر تكلفته في السنة الأولى أو الثانية، وإنما بعد سنوات، عندما تكون آثار القرار قد وصلت إلى جيل كامل.

وهنا تصبح التجارب الدولية مهمة؛ ليس لكي نقلدها، وإنما لكي نتعلم منها ما الذي نجح، وما الذي تعثر، ولماذا.

يمكن النظر إلى الشراكة بين التعليم والقطاع الخاص من خلال طرفين على خط متصل.

في الطرف الأول توجد الشراكة الحرة، حيث يحصل الشريك الخاص على مساحة واسعة من الاستقلالية في الإدارة والتشغيل واتخاذ القرارات، مع خضوعه لمجموعة من النتائج والمتطلبات التي تحددها الجهة التعليمية.

وفي الطرف الآخر توجد الشراكة المقيدة، حيث تحتفظ الوزارة بمساحة واسعة من القرار، ويعمل القطاع الخاص في إطار تفصيلي تحدده الجهة الحكومية.

الشراكة الحرة تمنح القطاع الخاص القدرة على الحركة بسرعة، واتخاذ القرار بعيدًا عن البيروقراطية، وتجربة نماذج جديدة، والاستفادة من أدوات الإدارة الحديثة، وتوظيف الموارد بكفاءة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحرية الإدارية إلى حرية تعليمية غير منضبطة. فالقطاع الخاص، مهما بلغت خبرته وكفاءته، يدخل هنا مجالًا له أهداف وطنية تتجاوز الربحية والكفاءة التشغيلية. والتعليم مشروع وطني يمس الإنسان قبل المؤسسة، ويصنع شخصية الأجيال وقيمها ومعارفها ومهاراتها.

أما الشراكة المقيدة، فميزتها أنها تحافظ بدرجة أكبر على وحدة السياسة التعليمية والمعايير الوطنية، وتحمي حقوق الطلبة، لكنها قد تحول القطاع الخاص إلى مجرد منفذ لتعليمات الوزارة، فتفقد الشراكة أحد أهم أسباب وجودها، المرونة والابتكار والخبرة التشغيلية.

ولهذا لا أرى أن السؤال الصحيح هو: هل نريد شراكة حرة أم شراكة مقيدة؟

بل: ما المجالات التي يجب أن تكون حرة، وما المجالات التي يجب أن تظل مقيدة بالسياسة التعليمية الوطنية؟

أن تحدد الدولة: فلسفة التعليم - السياسة التعليمية الوطنية - المعايير والمخرجات المطلوبة - حقوق الطالب - الحد الأدنى للجودة - القيم والمبادئ التي يجب حمايتها - مؤشرات الأداء والمساءلة.

ثم تمنح الشريك مساحة واسعة للإجابة عن السؤال:

كيف سنحقق ذلك؟ بمعنى آخر: الدولة تحدد الاتجاه والمعايير والنتائج، والشريك يبتكر في الوسائل والتنفيذ.

لكن هل هذا النموذج قادر فعلًا على تحقيق النتائج؟ التجارب العالمية تقدم لنا إجابات مهمة.

من أبرز النماذج العالمية تجربة Charter Schools في الولايات المتحدة. وهي مدارس عامة ممولة من القطاع العام، لكنها تحصل على قدر أكبر من الاستقلالية التشغيلية والإدارية مقابل التزامها بأهداف تعليمية محددة ومساءلة واضحة. والفكرة في جوهرها جذابة: امنح المدرسة مساحة أكبر من الحرية، واترك لها القدرة على الابتكار، ثم حاسبها على النتائج. لكن التجربة الأمريكية قدمت درسًا أكثر تعقيدًا.

فالدراسات الواسعة التي أجراها مركز أبحاث CREDO في جامعة ستانفورد أظهرت أن نتائج مدارس الـ Charter ليست متساوية؛ فهناك مدارس تحقق نتائج أفضل من المدارس الحكومية التقليدية، وأخرى تحقق نتائج مماثلة، وأخرى تحقق نتائج أقل. أي أن الاستقلالية في حد ذاتها لا تصنع الجودة. الفرق الحقيقي يرتبط بجودة المشغل، والقيادة التعليمية، والقدرة على استخدام الاستقلالية بصورة صحيحة، ووضوح معايير المساءلة.

منح الاستقلالية لا ينتج الجودة تلقائيًا؛ الذي يصنع الفرق هو من مُنحت له الاستقلالية، وما الإطار الذي يعمل داخله، وكيف تتم مساءلته. وهذا يعني أن الشراكة السعودية لا يمكن أن تبدأ من سؤال: كم مدرسة سنسندها؟ بل من سؤال: من هو الشريك الذي سنمنحه هذه الاستقلالية؟

النموذج الإنجليزي: ليست القضية حكوميًا أم غير حكومي

التجربة الإنجليزية (Academies) تقدم درسًا مختلفًا. فالمدارس ممولة من الدولة، لكنها تدار من خلال صناديق غير ربحية تتمتع باستقلالية أكبر في بعض جوانب الإدارة والتشغيل. وهنا تظهر نقطة مهمة:

وجود جهة غير حكومية في إدارة المدرسة لا يعني بالضرورة خصخصة التعليم.

لكن التجربة البريطانية تكشف أيضًا أن الانتقال إلى نموذج الأكاديميات ليس ضمانًا تلقائيًا لتحسن الأداء. فالفروق في الأداء بين مجموعات الأكاديميات نفسها يمكن أن تكون كبيرة، كما أن نجاح المدرسة يرتبط بصورة وثيقة بجودة الجهة المشغلة، والقيادة، والقدرة على التدخل والتحسين.

وهنا نصل إلى سؤال أكثر أهمية من السؤال التقليدي: هل المشغل حكومي أم غير حكومي؟ السؤال الأهم هو: أي مشغل تحديدًا؟ وهذا يقودنا مباشرة إلى قضية اختيار الشريك في السعودية.

التجربة السويدية تقدم درسًا مختلفًا. فقد شهد النظام التعليمي السويدي توسعًا في المدارس المستقلة، مع منح الأسر قدرًا أكبر من حرية الاختيار، ووجود تمويل مرتبط بالطالب. الفكرة بدت في بدايتها منطقية: منافسة أكبر، واختيار أوسع، وحوافز تدفع المدارس إلى تحسين أدائها.

لكن مع الوقت ظهرت نقاشات واسعة حول عدد من الآثار الجانبية، من بينها التفاوت بين المدارس، وبعض جوانب التضخم في الدرجات، ومشكلات مرتبطة بالانتقاء الاجتماعي، إضافة إلى تعثر بعض المجموعات التعليمية الخاصة. وهنا الدرس ليس أن المدارس الخاصة سيئة. ولا أن المنافسة خطأ. بل الدرس أكثر عمقًا:

كل ثغرة في تصميم النظام يمكن أن تتحول مع الوقت إلى سلوك مؤسسي. إذا كان التمويل يكافئ عدد الطلاب فقط، فسوف يصبح جذب الطلاب هدفًا. وإذا كانت الحوافز مرتبطة بدرجات الطلاب فقط، فقد يصبح رفع الدرجات هدفًا. وإذا لم توجد ضوابط كافية على الانتقاء، فقد يصبح اختيار الطالب الأسهل جزءًا من السلوك المؤسسي.

إذن: لا يكفي أن نصمم الشراكة؛ علينا أن نصمم الحوافز التي تحكم سلوك الشريك.

تشيلي: عندما تحتاج الدولة إلى إصلاح التصميم

تجربة تشيلي مع نظام القسائم التعليمية تقدم درسًا أكثر وضوحًا. فقد اعتمدت تشيلي لسنوات طويلة على نموذج يمنح الأسر حرية اختيار المدارس، مع تمويل مرتبط بعدد الطلاب، وسمح النظام بوجود مدارس خاصة تستقبل التمويل العام.