في كل رواية تبقى في الذاكرة، نجد أن السبب الحقيقي يعود للشخصية محور السرد والحبكة، فالشخصية هي البوابة التي يعبر منها القارئ إلى العالم المتخيل، والشخصية العميقة المركبة من طبقات نفسية واجتماعية، تتجاوز دورها كحامل للأحداث أو «أداة للسرد»، لتصبح شخصية حية في ذهنية القارئ حافلة بالتناقض، تحمل في داخلها صراعات تتجاوز حدود الورق لتلامس وعينا نحن القراء، وهذه هي الشخصية التي كانت وما زالت سر الأثر الذي يتركه فينا هذا الأدب العظيم.تجمع الشخصية الروائية في داخلها بين العاطفة والعقل، بين الخير والشر، وبين الشك واليقين، في توازن دقيق يجعلها شبيهة بالإنسان الحقيقي فيتفاعل معها القارئ بشدة، وتكون ذات أثر ما بعد الحكاية، وهنا أشير إلى وصف الناقد البريطاني فورستر في كتابه «جوانب الرواية» حول هذا النمط من الشخصيات بأنها (تتطور في مجرى التفاصيل مثلما يتطور الإنسان في الحياة الفعلية)، فهي متعددة الأبعاد تنكشف طبقاتها شيئاً فشيئاً مع الأحداث.في الأدب العربي الحديث، نجد ملامح «الشخصية المركبة» في أعمال روائية متعددة، مثل رواية «ساق البامبو» لسعود السنوسي، فشخصية عيسى هي تجسيد للتمزق بين الهويتين، بين الأصل والانتماء المفقود، في صراع داخلي يلامس القارئ العربي المعاصر مباشرة، كما نجد أيضاً شخصيات مركبة في روايات، نجيب محفوظ وإلياس خوري وصنع الله إبراهيم وغسان كنفاني والكثير غيرهم، حيث نقلوا الشخصية العربية من النموذج التقليدي إلى الشخصية الجدلية.وبذلك نرى أن تأثير الشخصية المركبة على القارئ ينبع من كونها تقنعه بأنها ليست شخصية مصطنعة، فالقارئ بطبيعة الحال يتفاعل مع ما يحدث في مجريات الرواية، ويعيش التوتر والصراع معها، وحين نقرأ رواية بمستوى سردي رفيع وبشخصيات بأبعاد نفسية متعددة، فإننا لا نكتفي بملاحظتها تسقط في مأساة اجتماعية، لكننا نكون فعلياً نراقب حالتها النفسية بتعاطف وخوف في آنٍ واحد، وهذه القدرة على تحريك المشاعر المعقدة هي ما يمنح الشخصية «عمراً أدبياً» أطول من زمن الرواية نفسها.ربما تميل بعض الكتابات التجارية اليوم إلى تقديم شخصيات نمطية تختزل الخير في بطل والشر في آخر، وهنا يمكن الفرق، فإن الرواية الجادة الخالدة تقاوم هذا التبسيط، وتدرك أن الإنسان كائن حي مركب من مجموعة من التناقضات، ولذلك فكل شخصية تقنعنا بإنسانيتها مهما كان سلوكها تثير فينا أثراً لا يمحى، في تجربة إنسانية كاملة، تكون بمثابة مرآة يرى القارئ فيها نفسه في حالات متعددة، هذا العمق السردي في بناء الشخصية هو السر الدفين وراء خلود الرواية في الذاكرة الأدبية.reda.madallah@gmail.com
ADVERTISEMENT
مقالات ذات صلة

4707 جهات جديدة في «المعاشات» خلال 12 شهراً
كشفت الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية، ارتفاع عدد جهات العمل المسجلة لديها بواقع 4 آلاف و707 جهات عمل جديدة، وذلك خلال 12 شهراً بالمقارنة بين أعداد الجهات في مارس/آذار من العام الماضي 2025، حيث بلغت حينها 19 ألفاً و960 جهة عمل، وارتفعت لتصبح 24 ألفاً و667 جهة عمل خلال الشهر ذاته من العام الجاري 2026.وأكدت…
AL-KHALEEJ
May 11, 2026

«نافس».. بوابة الإماراتية للنجاح في القطاع الخاص
أثبت برنامج «نافس» دوره كبوابة عبور المرأة الإماراتية نحو سوق العمل في القطاع الخاص، مسهماً في تمكينهن من اكتساب المهارات والخبرات اللازمة لبناء مسيرة مهنية ناجحة. ونجح البرنامج في خلق بيئة محفزة للمرأة للعمل والإبداع، ما أسهم في إطلاق قصص نجاح ملهمة داخل مؤسسات القطاع الخاص في الدولة، إذ أصبح «نافس» من خلال الدعم المستمر…
AL-KHALEEJ
May 11, 2026
ADVERTISEMENT
