لطالما سمعنا عبارة الشباب هم قادة المستقبل، وكأن المطلوب من الشباب أن ينتظروا ذلك المستقبل حتى يأتي دورهم. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بجرأة هو: متى يأتي هذا الدور؟ وهل يمكن أن نطلب من جيل كامل أن ينتظر سنوات طويلة حتى يحصل على فرصة، ثم نتساءل بعد ذلك لماذا لم يحقق طموحاته؟
المشكلة ليست في أن الشباب لا يملكون القدرة، بل في أن كثيرًا منهم لا يحصلون على المساحة التي تمكنهم من إثباتها. ففي مجتمعات كثيرة، ما زالت بعض الفرص والمواقع تُدار بعقلية انتظر دورك، وما زلت صغيرًا، وتحتاج إلى خبرة، وكأن الخبرة يمكن أن تُكتسب من دون أن يُمنح الإنسان فرصة العمل أصلًا. وهنا تظهر المفارقة: كيف نطالب الشاب بالخبرة إذا كنا نرفض منحه الفرصة التي يصنع بها هذه الخبرة؟
من أكثر صور تهميش الشباب وضوحًا سوق العمل. يتخرج الشاب من الجامعة حاملًا شهادة وطموحًا واستعدادًا للعمل، ثم يصطدم بإعلانات تطلب سنوات من الخبرة لوظائف يفترض أنها في بداية المسار المهني. يدخل في دائرة مغلقة: لا وظيفة لأنه بلا خبرة، ولا خبرة لأنه بلا وظيفة. ومع مرور الوقت، تتحول طاقته إلى انتظار، ويتحول الطموح إلى إحباط، وربما يضطر إلى قبول عمل لا يتناسب مع تخصصه أو قدراته، أو يبحث عن فرصة خارج بلده.
ولا تتوقف المشكلة عند التوظيف. فحتى عندما يدخل الشباب المؤسسات، قد يجدون أنفسهم أمام جدار آخر من الحواجز غير المعلنة؛ المناصب القيادية: لمن هم أكبر سنًا، وصنع القرار: يحتاج إلى خبرة طويلة، والأفكار الجديدة تُقابل أحيانًا بالشك لمجرد أنها جاءت من شاب. وهكذا يصبح العمر معيارًا للثقة بدل أن تكون الكفاءة والإنجاز والقدرة على تحمل المسؤولية هي المعايير الأساسية.
ليس المقصود هنا التقليل من قيمة الخبرة أو أصحابها. فالخبرة عنصر مهم في بناء المؤسسات، والأجيال السابقة تمتلك معرفة وتجارب لا يمكن الاستغناء عنها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخبرة من وسيلة لنقل المعرفة إلى أداة لاحتكار الفرص. المطلوب ليس إقصاء أصحاب الخبرة لإفساح المجال للشباب، وإنما بناء علاقة تكامل بين الأجيال؛ يتعلم فيها الشاب من صاحب الخبرة، ويمنح صاحب الخبرة للشاب فرصة حقيقية للتجربة والإنجاز.
إن تمكين الشباب لا يعني أبدًا إقصاء الخبرات ومنح المناصب لمجرد أنهم شباب، وإنما يعني منحهم فرصة عادلة لإثبات أنفسهم. نحتاج إلى برامج تدريب حقيقية، وفرص عمل للخريجين، ومسارات واضحة للترقي، وتقييم يقوم على الكفاءة والنتائج، لا على العمر وحده أو طول مدة الخدمة. ونحتاج كذلك إلى تغيير ثقافة انتظر دورك التي قد تحول المؤسسات إلى أماكن يتقدم فيها الإنسان بالسنوات أكثر مما يتقدم بالإنجاز.
والأخطر من تهميش الشباب هو أن يتحول التهميش إلى قناعة داخلية لديهم. عندما يسمع الشاب باستمرار أنه ما زال صغيرًا، قد يبدأ هو نفسه في تصديق أنه غير مؤهل، فيتوقف عن المبادرة وينتظر الإذن. وهنا لا تخسر المؤسسة طاقة شاب واحد فقط، بل تخسر أفكارًا وابتكارات وطاقات يمكن أن تصنع فرقًا حقيقيًا.
لذلك، فإن الحديث عن الشباب بوصفهم قادة المستقبل يجب أن يتغير. الشباب ليسوا مشروع قادة مؤجلًا، بل جزء من القيادة اليوم. وإذا كان المستقبل ملكًا لهم، فمن حقهم أن يشاركوا في صناعة الحاضر أيضًا.
ختامًا، لا نحتاج إلى أن نقتل طموح الشباب ونقول: اصبروا حتى يأتي دوركم. بل نحتاج إلى نظام يقول لهم: أثبتوا قدرتكم، وسنمنحكم الفرصة. فالمجتمع الذي يضع الشباب دائمًا في طابور الانتظار قد يكتشف، بعد فوات الأوان، أن المستقبل الذي كان ينتظره منهم قد مضى إلى مكان آخر. فالشباب قوة تقود المستقبل، لكنها تحتاج إلى فرصة لا إلى وعد، وإلى تمكين لا إلى تهميش، وإلى باب مفتوح لا إلى انتظار لا ينتهي.
أستاذ مشارك في القيادة التربوية - رئيس قسم الإدارة التربوية (الدراسات العليا) الجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا - مدرب دولي معتمد اتحاد المدربين العرب
لطالما سمعنا عبارة الشباب هم قادة المستقبل، وكأن المطلوب من الشباب أن ينتظروا ذلك المستقبل حتى يأتي دورهم. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بجرأة هو: متى يأتي هذا الدور؟ وهل يمكن أن نطلب من جيل كامل أن ينتظر سنوات طويلة حتى يحصل على فرصة، ثم نتساءل بعد ذلك لماذا لم يحقق طموحاته؟
المشكلة ليست في أن الشباب لا يملكون القدرة، بل في أن كثيرًا منهم لا يحصلون على المساحة التي تمكنهم من إثباتها. ففي مجتمعات كثيرة، ما زالت بعض الفرص والمواقع تُدار بعقلية انتظر دورك، وما زلت صغيرًا، وتحتاج إلى خبرة، وكأن الخبرة يمكن أن تُكتسب من دون أن يُمنح الإنسان فرصة العمل أصلًا. وهنا تظهر المفارقة: كيف نطالب الشاب بالخبرة إذا كنا نرفض منحه الفرصة التي يصنع بها هذه الخبرة؟
من أكثر صور تهميش الشباب وضوحًا سوق العمل. يتخرج الشاب من الجامعة حاملًا شهادة وطموحًا واستعدادًا للعمل، ثم يصطدم بإعلانات تطلب سنوات من الخبرة لوظائف يفترض أنها في بداية المسار المهني. يدخل في دائرة مغلقة: لا وظيفة لأنه بلا خبرة، ولا خبرة لأنه بلا وظيفة. ومع مرور الوقت، تتحول طاقته إلى انتظار، ويتحول الطموح إلى إحباط، وربما يضطر إلى قبول عمل لا يتناسب مع تخصصه أو قدراته، أو يبحث عن فرصة خارج بلده.
ولا تتوقف المشكلة عند التوظيف. فحتى عندما يدخل الشباب المؤسسات، قد يجدون أنفسهم أمام جدار آخر من الحواجز غير المعلنة؛ المناصب القيادية: لمن هم أكبر سنًا، وصنع القرار: يحتاج إلى خبرة طويلة، والأفكار الجديدة تُقابل أحيانًا بالشك لمجرد أنها جاءت من شاب. وهكذا يصبح العمر معيارًا للثقة بدل أن تكون الكفاءة والإنجاز والقدرة على تحمل المسؤولية هي المعايير الأساسية.
ليس المقصود هنا التقليل من قيمة الخبرة أو أصحابها. فالخبرة عنصر مهم في بناء المؤسسات، والأجيال السابقة تمتلك معرفة وتجارب لا يمكن الاستغناء عنها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخبرة من وسيلة لنقل المعرفة إلى أداة لاحتكار الفرص. المطلوب ليس إقصاء أصحاب الخبرة لإفساح المجال للشباب، وإنما بناء علاقة تكامل بين الأجيال؛ يتعلم فيها الشاب من صاحب الخبرة، ويمنح صاحب الخبرة للشاب فرصة حقيقية للتجربة والإنجاز.
إن تمكين الشباب لا يعني أبدًا إقصاء الخبرات ومنح المناصب لمجرد أنهم شباب، وإنما يعني منحهم فرصة عادلة لإثبات أنفسهم. نحتاج إلى برامج تدريب حقيقية، وفرص عمل للخريجين، ومسارات واضحة للترقي، وتقييم يقوم على الكفاءة والنتائج، لا على العمر وحده أو طول مدة الخدمة. ونحتاج كذلك إلى تغيير ثقافة انتظر دورك التي قد تحول المؤسسات إلى أماكن يتقدم فيها الإنسان بالسنوات أكثر مما يتقدم بالإنجاز.
والأخطر من تهميش الشباب هو أن يتحول التهميش إلى قناعة داخلية لديهم. عندما يسمع الشاب باستمرار أنه ما زال صغيرًا، قد يبدأ هو نفسه في تصديق أنه غير مؤهل، فيتوقف عن المبادرة وينتظر الإذن. وهنا لا تخسر المؤسسة طاقة شاب واحد فقط، بل تخسر أفكارًا وابتكارات وطاقات يمكن أن تصنع فرقًا حقيقيًا.
لذلك، فإن الحديث عن الشباب بوصفهم قادة المستقبل يجب أن يتغير. الشباب ليسوا مشروع قادة مؤجلًا، بل جزء من القيادة اليوم. وإذا كان المستقبل ملكًا لهم، فمن حقهم أن يشاركوا في صناعة الحاضر أيضًا.