السينما السعودية.. سبع سنوات من النجاحات (2-2) – الهادي التليلي

كما أنه جدير بنا أن نؤكد أن السينما صارت إسهاماتها في الاقتصاد الأمريكي تفوق الزراعة، فالربحية التي تدرّها السينما أعلى مما يتصور الواحد منا، حيث توفر دخلاً يفوق 49 مليار دولار لملايين الأشخاص، ويكفي أن نذكر أنه خلال 2016 شغلت 2.1 مليون شخص في أمريكا وحدها بدخل يفوق 139 مليار دولار، منها 53 مليار دولار لوظائف قارة، فالسينما وأخواتها من الاستثمارات الرمزية في مجال الفنون إذ ساهمت في الاقتصاد الأمريكي بـ763.3 مليار دولار، مساهمة معها في توفير 4.9 مليون وظيفة بعائدات صارت تناهز 130 مليار دولار، محققة فائضاً تجارياً يناهز 20 مليار دولار، ولو أضفنا لإسهامها مع سليلتها ديزني لاند وقطاعات الترفيه، نجدها قد وفرت 1 تريليون دولار حسب إحصاء 2012، بإسهام بالمائة 6.5 في الناتج القومي المحلي الأمريكي، ولو نظرنا إلى الاستثمار في هذا القطاع سنجد شركة يونيفرسال ساهمت في ناتج جورجيا المحلي بـ65 مليون دولار مساهمة بـ20.6 مليار دولار كعائدات ضرائب سنة 2016، فصناعة السينما والتلفزيون ليست أبداً قطاعاً هامشياً، بل هي معطى قوي في الاقتصاد والمجتمع، حيث يساهم في الخطة الوطنية الأمريكية للتوظيف بـ700 ألف وظيفة سنوياً، فالسينما الأمريكية التي طغت عليها تسمية الاسم التجاري لهوليوود، سوقها تفوق 140 دولة، وتوفر عائدات من هذه السوق الكونية 16.5مليار دولار، حسب إحصاء 2016 هوليوود أو الاستثمار الأمريكي القوي ذي التسع اللا محدود يساهم في الاستثمار العالمي للتذاكر بـ11 مليار دولار من أصل 40 مليار دولار في باقي دول العالم، هذا القطاع أثر إيجاباً حتى على قطاع الصناعات الموازية؛ إذ ساهمت حقوق الملكية الفكرية لاستنساخ دمى مشابهة لشخصيات الأفلام في عائدات كبيرة جداً، وهو ما حصل مع استنساخ شخصيات سلسلة حرب النجوم، وفيلم قصة لعبة، حيث وفر الأول 12 مليار دولار، والثاني 2.4 مليار دولار من تراخيص وحقوق ملكية فكرية لإنتاج تلك الدمى.

هوليوود ليست فقط أفلاماً، هي صورة أمريكا الخارجية، وهي التي نحتت شخصيتها الخارجية من فترة بعد الحربين، حيث صار الأمريكي نموذج البطل الخارق الذي لا يقهر في عين المشاهد، لدرجة جعلت بعضهم يقول «هوليوود أمريكا وأمريكا هوليوود».

وعلى غرار هذه القوة الاقتصادية الأمريكية الناعمة سعت الهند إلى بناء صناعة سينمائية مهمة، تحوّلت مع مرور الزمن إلى ثاني مصنع للسينما وفنونها، طامحة إلى منافسة هوليوود وتنمية اقتصادها بتوفير تنويع في الموارد، مستغلة الثقافة الشعبية والمشترك الجمعي المراعي لتعدد الأعراق في ثقافة سينمائية واحدة متعددة اللغات، وعلى عكس هوليوود فإن بوليوود لا توجد لها مدينة سينمائية وإنما متمركزة في مومباي، وتعود تسمية بوليوود إلى الحرف الأول من بومباي الاسم القديم لمومباي وهوليوود، لدرجة أن هناك من يطلق على بوليوود الفرع الهندي لهوليوود، وفي الحقيقة هذه التسمية مجانبة للحقيقة، فنشأة بوليوود كفعل لا كتسمية، ونعني بداية إنتاج السينما في الهند انطلق منذ 1913 حيث أنتج هاريشندرا أول فيلم صامت، وبعد ذلك بدأت عجلة التصوير تحصد النجاحات، إذ في الثلاثينيات تم إنتاج ما يناهز الـ200 فيلم، وكان أول فيلم ناطق أضواء الدنيا للمخرج أرديشر سنة 1931 في تلك الفترة، وهي الفترة بين الحربين، والمتزامنة مع حركات التحرر، كان الهند يعاني من كساد كبير جداً على المستوى الاقتصادي، ولم يجد البلد سوى السينما وصناعتها لإنعاش الوضع في ذلك الوقت، وعلى الرغم من كل الصعوبات فقد واكب الهند مراحل تطور السينما والانتقال إلى عصر الأفلام الملونة بداية من سنة 1937 وعنوانه الأم الهند.

السينما الهندية التي نشأت بين أحضان الاستعمار البريطاني كانت شاشة لعكس طموحات هذا الشعب للتحرر والانعتاق، محققة العديد من النجاحات، ومساهمة في توحيد هذا الشعب متعدد الأعراق والناطق بعدد من اللغات، بتوجيهه نحو خطاب وطني واحد، فنجوم بوليوود الذين من بينهم راج كابور، وإيليب كومار، وديف أنان من جيل المؤسسين، وراجيش خانا ودارا من جيل الستينيات، وأميتاب باتشان، وأنيل كابور، وجايا باتشان من الجيل الثالث في السبعينيات، وأمير خان، وسلمان خان، وشاروخان من جيل التسعينيات،

التحق بهم نجوم آخرون، لعل من بينهم شاهيد كابور، وسيف علي خان، وبريانكا تشوبراجوناس واشواريا راي باتشان، ولارا دوتا وسوشمينا، وغيرهن وغيرهم أكثر صنعوا مجد بوليوود، فصارت السينما الهندية رأس مال وطنياً مدراً بمرابيح عالية جداً، فلو نظرنا إلى جدوى هذه السينما التي تنطق بأكثر من عشرين لغة، تنتج سنوياً 1200 فيلم تقريباً بـ3.3 مليار تذكرة سنوياً، حيث تدر صناعتها السينمائية 5 مليارات دولار سنوياً؛ بمعدل نمو 14.1 بالمائة، ولو نظرنا إلى العائدات السينمائية وهي متلاحمة مع الصناعات الموازية لها، ونعني الصناعات الترفيهية، نجدها تحقق 25 مليار دولار في سنة 2014، هذه المرابيح والنجاحات خلقت سوقاً لتقبل السينما زيادة على سوق الإنتاج، مما أسال لعاب أكبر شركات الإنتاج في هوليوود والعالم، مثل والت ديزني، ومجمع كياني هامور الاستثمار الإعلامي موردوخ، ونعني بهما فوكس القرن العشرين، وستار ستديو اللتين اتحدتا كقوة ناعمة تدخل سوق الإنتاج السينمائي البوليوودي، إضافة إلى دخول شركات مثل أرنر براذرز، وهوليوود الكبرى، إضافة إلى شركات يابانية من أهمها شركة سوني، فالهند أصبحت يحلق باتجاهها المستثمرون في القطاع، وتستحق هذا النجاح لعدة أسباب؛ أولها الريادة العالمية على مستوى شباك التذاكر، ثانياً الفارق في كلفة الإنتاج حيث إنها لا تتجاوز 2 مليون دولار، في حين أنها في هوليوود لا تقل عن 47.7 مليون دولار إضافة إلى التشجيعات والحوافز التي وضعتها الدولة للمستثمر الأجنبي في القطاع، دون أن ننسى تكلفة الضرائب العالية في أمريكا، فكانت السوق البوليوودية تنويعاً في خيارات الشركات الكبرى في الإنتاج السينمائي التي دخل بعضها السوق الهندية بإعادة إنتاج أفلام أمريكية ولكن بخلفيات هندية.

الاستثمار في قطاع السينما بالهند تحول إلى مجال استراتيجي تراهن عليه الدولة في المداخيل وفي توظيف اليد العاملة، وفي نحت صورة ذهنية براقة مخالفة لتلك التي تسوّق لها وسائل الإعلام، بل أصبحت السينما الهندية مصدرة لعديد النجوم إلى بوليوود وغيرها، لدرجة أنها أصبحت مصنعاً للممثلين المهرة في الرقص والمهارات القتالية والدراما، السينما الهندية حققت ما لم تحققه القطاعات الأخرى في هذا البلد الذي يعيش ثلثه تحت خط الفقر.