لم تكن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أعمال قمة تجمع «بريكس» في نيودلهي مجرد حضور مصري في تجمع اقتصادي وسياسي يتسع نفوذه على الساحة الدولية، وإنما حملت رسائل متعددة بشأن رؤية القاهرة لدورها في القارة الإفريقية وعلاقاتها مع دول الجنوب العالمي.
وخلال كلماته ومباحثاته على هامش القمة، برز البعد الإفريقي بوضوح في تحركات الرئيس، سواء من خلال الدعوة إلى تحويل عضوية مصر في «بريكس» إلى مشروعات حقيقية تخدم التنمية، أو عبر التأكيد على أهمية التكامل الاقتصادي بين دول القارة، إلى جانب ملف الأمن والاستقرار، وفي مقدمته الحفاظ على وحدة السودان وسيادته.
أعاد الرئيس السيسي التأكيد على الموقع الذي تتحرك من خلاله مصر داخل منظومة «بريكس»، باعتبارها دولة إفريقية تمتلك في الوقت نفسه امتدادات عربية وآسيوية، وموقعًا جغرافيًا يربط بين إفريقيا وأوروبا وآسيا.
ومن هذا المنطلق، بدت المشاركة المصرية محاولة لتوظيف عضوية «بريكس» بصورة تتجاوز البعد السياسي، باتجاه بناء شراكات اقتصادية واستثمارية يمكن أن تنعكس على القارة الإفريقية، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل والتجارة.وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل سعي دول الجنوب العالمي إلى بناء مسارات أكثر تنوعًا للتجارة والاستثمار، وتقليل التأثر بالأزمات التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية خلال السنوات الأخيرة.
أحد أبرز مضامين الطرح المصري تمثل في التأكيد على ضرورة الانتقال من تبادل الرؤى إلى تنفيذ مشروعات وبرامج مشتركة.
فالرهان بالنسبة للقاهرة لا يرتبط فقط باتساع عضوية «بريكس»، وإنما بقدرة التجمع على إنتاج أدوات اقتصادية جديدة تستطيع الدول النامية الاستفادة منها بصورة مباشرة.
وفي هذا السياق، برزت ملفات الأمن الغذائي والمائي وأمن الطاقة، إلى جانب تطوير البنية التحتية والمراكز اللوجستية وتعزيز حركة التجارة، باعتبارها مجالات يمكن أن تتحول فيها شراكات «بريكس» إلى مشروعات ذات تأثير مباشر على اقتصادات الدول الإفريقية.
كما حملت المشاركة المصرية اهتمامًا بملف التمويل المناخي، خاصة في ظل التحديات التي تواجه الدول النامية في الحصول على التمويل اللازم لتنفيذ خطط التكيف مع التغيرات المناخية وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي الإطار الإفريقي، اكتسب لقاء الرئيس السيسي مع رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا أهمية خاصة، في ظل الوزن السياسي والاقتصادي للدولتين داخل القارة.
وتناول اللقاء سبل الارتقاء بالعلاقات المصرية الجنوب إفريقية إلى مستوى أوسع من التعاون، مع بحث تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وتطوير آليات العمل المشترك بين البلدين.
كما برزت مشروعات الربط القاري والممرات التجارية باعتبارها إحدى الأدوات المهمة لدعم التكامل الاقتصادي الإفريقي، خصوصًا في ظل التوجه نحو زيادة التجارة البينية بين دول القارة والاستفادة من الإمكانات التي توفرها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.ولا تقتصر أهمية التعاون بين القاهرة وبريتوريا على الجانب الاقتصادي، إذ تمتلك الدولتان رصيدًا من الحضور في ملفات الأمن والسلام وتسوية النزاعات داخل القارة، وهو ما يمنحهما مساحة للعمل المشترك في عدد من الأزمات الإفريقية.
وكان السودان حاضرًا بصورة لافتة في البعد الإفريقي من التحركات المصرية خلال القمة.
وأكد الرئيس السيسي خلال مباحثاته أهمية الحفاظ على أمن واستقرار السودان ووحدته وسلامة أراضيه، في رسالة تعكس الموقف المصري الثابت تجاه الأزمة السودانية ورفض أي مسارات من شأنها المساس بوحدة الدولة السودانية.
وتنظر القاهرة إلى استقرار السودان باعتباره قضية ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري والأمن الإقليمي في منطقة وادي النيل والقرن الإفريقي، ولذلك تحضر الأزمة السودانية في صلب التحركات المصرية تجاه الشركاء الأفارقة والدوليين.
كما أن طرح قضية السودان داخل دوائر «بريكس» يفتح المجال أمام توسيع دائرة الاهتمام الدولي بالأزمة، خصوصًا أن استمرار الحرب لا يقتصر تأثيره على الداخل السوداني، وإنما يمتد إلى الأمن الغذائي وحركة التجارة والهجرة والاستقرار الإقليمي.
إفريقيا في قلب أجندة الجنوب العالميوتأتي الرسائل المصرية من نيودلهي في توقيت تشهد فيه القارة الإفريقية تحولات كبيرة على المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية.
فالقارة تواجه تحديات متزامنة تتعلق بالأمن الغذائي والطاقة والتمويل والتنمية والبنية التحتية، في الوقت الذي تبحث فيه دولها عن شراكات دولية أكثر قدرة على تمويل مشروعات التنمية ودعم اقتصاداتها.
ومن هنا، فإن عضوية مصر في «بريكس» تمنح القاهرة فرصة للتحرك باعتبارها طرفًا مصريًا وإفريقيًا في الوقت نفسه، ونقل الأولويات الإفريقية إلى منصة تضم قوى اقتصادية وسياسية مؤثرة من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وتبدو أهمية هذا الدور في قدرة مصر على الربط بين احتياجات القارة الإفريقية وإمكانات دول «بريكس»، خصوصًا في قطاعات الطاقة والنقل والغذاء والتكنولوجيا والاستثمار.
وفي خلفية المشاركة المصرية، يبرز تطلع القاهرة إلى لعب دور أكبر داخل التجمع، وصولًا إلى إمكانية تولي رئاسة «بريكس» مستقبلًا.
ولا يرتبط هذا الطموح بالمكانة المصرية وحدها، وإنما يعكس رغبة في توظيف الدور المصري داخل التجمع لطرح قضايا الدول النامية والقارة الإفريقية بصورة أكثر حضورًا، وفي مقدمتها قضايا التنمية والتمويل والأمن الغذائي والطاقة والتكنولوجيا.
وبذلك يمكن النظر إلى المشاركة المصرية في قمة نيودلهي باعتبارها جزءًا من مسار أوسع لإعادة تعريف الدور المصري داخل منظومة الجنوب العالمي، بحيث لا تقتصر القاهرة على المشاركة في صناعة المواقف، وإنما تسعى أيضًا إلى تحويل هذه المواقف إلى شراكات ومشروعات قابلة للتنفيذ.
الرسالة الأبرز التي خرجت بها المشاركة المصرية في قمة «بريكس» أن النفوذ في إفريقيا لم يعد يُقاس فقط بالحضور السياسي والدبلوماسي، وإنما بات مرتبطًا بصورة متزايدة بالقدرة على بناء شراكات اقتصادية وتنموية مستدامة.
ومن هذه الزاوية، تتحرك مصر من موقع يجمع بين عضويتها في «بريكس» ومكانتها الإفريقية، لتقديم نفسها كحلقة وصل بين احتياجات القارة وإمكانات التجمع، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها الإفريقية والعربية والدولية.
ومع استمرار الأزمات التي تواجه القارة، وفي مقدمتها الحرب في السودان، وأزمات الغذاء والطاقة والمياه والتمويل، فإن نجاح هذا الدور سيبقى مرتبطًا بمدى القدرة على تحويل التصريحات والاتفاقات إلى مشروعات فعلية، وعلى بناء تعاون إفريقي يقوم على المصالح المشتركة وليس فقط البيانات السياسية.وفي هذا السياق، تبدو قمة «بريكس» في نيودلهي محطة جديدة في مسار الحضور المصري داخل منظومة الجنوب العالمي، ورسالة واضحة بأن القاهرة تريد أن يكون صوت إفريقيا حاضرًا في النقاشات المتعلقة بمستقبل الاقتصاد العالمي، وأن تتحول عضوية مصر في التجمع إلى أداة لدعم التنمية والاستقرار داخل القارة.