صدر حديثًا للروائي السوري نبيل الملحم كتابه، بنسخته الإلكترونية "السيّدة.. تمرين على النجاة"، وهو عمل، يختلف عن مجمل أعماله الروائية والفكرية، ليس لأنه يتناول تجربة السيدة فيروز والرحابنة فحسب، وإنما لأنه يأتي بوصفه أكثر كتبه شخصية واعترافًا، حتى ليبدو أقرب إلى رسالة وفاء طويلة كتبها مؤلفها بعد رحلة امتدت منذ الطفولة وحتى تخوم الشيخوخة.
عرف القرّاء نبيل الملحم عبر أعماله الروائية التي انشغلت بالإنسان الهامشي، والهزائم الكبرى، والمنفى، والزمن، والأسئلة الوجودية، لكن هذا الكتاب يذهب إلى منطقة أخرى؛ إلى الجذر الذي تشكّل منه وعي الكاتب الجمالي والروحي.. إنه لا يقرأ فيروز بوصفها مطربة، ولا الرحابنة بوصفهم مدرسة موسيقية أو مسرحية، بل بوصفهم مشروعًا إنسانيًا نادرًا لصناعة النجاة.
يقول الملحم إن الفلسفات الكبرى حاولت تفسير العالم، بينما نجح الرحابنة في منح الإنسان قدرة على احتماله، ولهذا جاء عنوان الكتاب "تمرين على النجاة"، لأن النجاة ليست حدثًا يقع مرة واحدة، بل تدريب يومي على مقاومة القبح، والخوف، والخراب، واليأس.
الكتاب لا يبحث في تاريخ الأغنيات، ولا في سيرتها الفنية المعروفة، وإنما يحاول أن يجيب عن سؤال آخر: كيف استطاعت امرأة بصوتها، ومعها الرحابنة، أن تصنع وطنًا لملايين البشر، حتى أولئك الذين فقدوا أوطانهم الحقيقية؟
بالنسبة إلى مؤلفه، لم تكن فيروز يومًا جزءًا من الذاكرة الفنية العربية فحسب، بل كانت جزءًا من تكوينه الشخصي، فمنذ طفولته المبكرة، حين كانت البلاد تعيش انكساراتها السياسية، والعسكر يملؤون الفضاء بالأناشيد الصاخبة، كان ثمة صوت آخر يعيد ترتيب العالم بهدوء.. صوت لا يرفع الشعارات، بل يرمم الروح، ومنذ تلك السنوات، بقيت فيروز والرحابنة يرافقونه في محطات العمر كلها، حتى أصبحت أغنياتهم لغة داخلية يقرأ بها الحياة.
ولذلك فإن الكتاب لا يخفي انحيازه.. إنه لا يدّعي الحياد الأكاديمي، ولا يتظاهر بالمسافة النقدية الباردة، إنه يعلن منذ صفحاته الأولى أن صاحبه يكتب بدافع الامتنان، وأن الوفاء هنا ليس نقيض المعرفة، بل أحد أشكالها، فالكتب التي تولد من الحب كثيرًا ما ترى ما تعجز المناهج الجامدة عن رؤيته.
يطرح الملحم في هذا العمل قراءة مختلفة للمشروع الرحباني، معتبرًا أنه تجاوز حدود الموسيقى والمسرح والشعر ليؤسس فلسفة كاملة للحياة، فلسفة لا تُكتب بالمصطلحات، وإنما بالأغنية والصورة والمشهد والقرية واللغة والحنين.. لقد صنع الرحابنة عالمًا يستطيع الإنسان أن يعود إليه كلما ضاق العالم الحقيقي.
ومن هنا، فإن "السيدة، تمرين على النجاة" ليس كتابًا عن فيروز وحدها، بل عن الإنسان الذي احتمى بها.. عن الأجيال التي عبرت الهزائم وهي تحمل أغنية.. عن المنفيين الذين وجدوا في صوتها وطنًا مؤقتًا، وعن أولئك الذين كانوا يخسرون العالم الليل ويستعيدونه مع أول فجر فيروزي.
ويكشف الكتاب أيضًا عن العلاقة الخاصة التي ربطت الكاتب بالمشروع الرحباني عبر عقود، وهي علاقة لم تتأسس على الإعجاب الفني وحده، بل على شعور دائم بأن هذا الإرث كان أحد المصادر الخفية التي صنعت لغته الأدبية ونظرته إلى الإنسان، ففي أعمال نبيل الملحم الروائية، كثيرًا ما تظهر الشخصيات وهي تبحث عن الخلاص وسط الخراب، وهي الفكرة نفسها التي يرى الكاتب أنها تسكن جوهر التجربة الرحبانية.
ولذلك يمكن النظر إلى هذا الإصدار بوصفه حلقة جديدة في مشروع الكاتب الفكري والأدبي، لكنه ربما يكون أكثر حلقاته حميمية وصدقًا، فهو لا يسعى إلى إعادة كتابة تاريخ فيروز، لأن هذا التاريخ كُتب مرارًا، وإنما يحاول أن يكتب أثرها في حياة إنسان واحد، على أمل أن يكتشف القارئ، بين السطور، أثرها في حياته هو أيضًا
ويؤكد مؤلف الكتاب أن هذا العمل ليس دراسة موسيقية، ولا توثيقًا فنيًا، ولا محاولة لإضافة معلومات جديدة إلى أرشيف الرحابنة، بل هو شهادة شخصية على قوة الفن حين يتحول إلى طريقة في العيش، وعلى قدرة الجمال على إنقاذ الإنسان من قسوته.
بهذا المعنى، يصبح "السيدة، تمرين على النجاة" كتابًا عن فيروز، لكنه أيضًا كتاب عن الكتابة، وعن الذاكرة، وعن المنفى، وعن الزمن، وعن الإنسان حين يبحث، وسط كل ما ينهار، عن شيء يبقيه حيّاً.
ربما لهذا السبب يبدو الكتاب أقرب إلى رسالة شكر متأخرة، كتبها روائي عاش عمرًا كاملًا وهو يرافق صوتًا لم يتوقف يومًا عن مرافقته.. رسالة تقول، ببساطة عميقة، إن بعض الفنانين لا يغيّرون ذائقة الناس فقط، بل يغيّرون طريقة نجاتهم من الحياة.
على غلاف الكتاب، ثمة مايقول الكثير :" لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية.. لم تعد بكفيا أو أنطلياس أو بشري أو زحلة أو (بمهرية موطن أحفادي)، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه ولكن عانق نبيّه.
وحين أقول الرحابنة، فإنني لا أتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
سلام بحث مع نائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي في نيويورك تعزيز التعاون اللبناني - الإماراتي وخفض التصعيد وإطلاق مبادرة لتدريب مليون لبناني على الذكاء الاصطناعي
وزير الخارجية الأردني: تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشأن حل القضية الفلسطينية على حساب الأردن مرفوضة وسخيفة
أمين عام مجلس التعاون الخليجي: الطاقة والغذاء لن تستخدم من قبل دول المجلس كأدوات للضغط على أي طرف
وكالة الأنباء الصينية: الرئيسان شي وترمب بحثا الوضع في الشرق الأوسط والأزمة في أوكرانيا وشبه الجزيرة الكورية
ماكرون يرسل قوات وأنظمة دفاع لحماية منشآت ينبع السعودية
عمدة نيويورك: نتنياهو استغل خطابه بالأمم المتحدة لتكرار أكاذيب تهدف لتبييض إبادة الفلسطينيين التي ارتكبها