لم يكن أهم ما خرجت به من لقاء معالي الأستاذ مازن بن تركي السديري، رئيس مجلس هيئة السوق المالية، أرقامًا أو تنظيمات جديدة بقدر ما كان كلمة تكررت بمعانٍ مختلفة طوال الحوار: العدالة.
فالحديث عن تراجع عدد كبير من الأسهم، وجودة الطروحات، وعزوف بعض المستثمرين الأفراد، والخوارزميات والبيع على المكشوف، ليست ملفات منفصلة في رأيي، بل أجزاء من سؤال واحد: هل يشعر جميع المشاركين بأن السوق عادلة وشفافة، وأن الفرص والمعلومات والقواعد متاحة للجميع؟
وأعتقد أن البداية الصحيحة كانت الاعتراف بوجود تحديات تستحق الإصلاح، ووضع برنامج عمل خلال تسعين يومًا. الأسواق لا تحتاج من المنظم أن يدافع عن كل ما يحدث فيها، بل أن يراقب ويشخّص ويتدخل عندما تظهر اختلالات تؤثر في كفاءتها أو الثقة بها.
ومن أهم الملفات المطروحة الاكتتابات الأولية. لقد اعتدنا الاحتفاء بعدد مرات التغطية وكأنه شهادة نهائية على نجاح الطرح، بينما التجربة أثبتت أن الطلب الكبير قبل الإدراج لا يعني بالضرورة أن التسعير كان مناسبًا أو أن السهم سيحقق أداءً جيدًا بعده. ولهذا فإن إعادة النظر في مفهوم نجاح الطرح خطوة مهمة.
وفي رأيي، المطلوب يتجاوز مراقبة سعر السهم بعد الإدراج إلى مراجعة المنظومة كاملة: جودة الشركة، وعدالة التقييم، وآلية بناء سجل الأوامر، وحقيقة الطلب المؤسسي، ودور المستشارين ومديري الطرح. وعندما تتراجع بعض الأسهم بعد الإدراج بصورة كبيرة، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال: هل كان التقييم واقعيًا منذ البداية؟
والأهم هنا هو تحديد المسؤولية. فلا ينبغي أن تنتهي مسؤولية الأطراف المشاركة بمجرد نجاح الاكتتاب وجمع الأموال. جودة الطرح يجب أن تصبح مسؤولية مهنية تمتد من الشركة إلى المستشار المالي ومدير الاكتتاب وكل من أسهم في التقييم والتسعير.
أما النقطة التي استوقفتني كثيرًا فهي العلاقة بين التقنية والعدالة. تداولات الخوارزميات جزء طبيعي من الأسواق الحديثة، ولا يمكن أن نواجه التطور التقني بالمنع، لكن التقنية لا ينبغي أن تصبح على حساب تكافؤ الفرص. فالسوق المتقدمة ليست الأسرع تنفيذًا فقط، وإنما الأكثر قدرة على ضمان أن التطور التقني لا يمنح طرفًا قدرة غير عادلة على حساب طرف آخر.
وينطبق الأمر نفسه على البيع على المكشوف. نحن نحتاج الأدوات المالية الحديثة لزيادة عمق السوق وكفاءتها، لكن كل أداة جديدة يجب أن يرافقها تنظيم ورقابة تتناسبان مع أثرها. التطوير الحقيقي ليس في كثرة الأدوات، وإنما في استخدامها بطريقة تضيف إلى السوق ولا تخل بتوازنها.
وأرى كذلك أن الحديث عن عزوف المستثمر الفرد يستحق وقفة أطول. فالمستثمر الفرد ليس عبئًا على السوق، بل عنصر أساسي في عمقها واستدامتها. وزيادة حصته في الطروحات خطوة جيدة، لكن الأهم هو استعادة ثقته. والثقة لا تُبنى بتخصيص نسبة أكبر له فقط، وإنما بجودة الشركات المطروحة، وعدالة الأسعار، والشفافية، وحماية حقوق المساهمين.
كما أن خروج المستثمر السعودي للاستثمار في الأسواق العالمية لا ينبغي أن يعالج بالقيود، وهذا توجه أراه صحيحًا. السيولة لا تبقى بالأوامر؛ تبقى عندما يجد المستثمر في سوقه فرصًا منافسة وشفافية وثقة وعائدًا يتناسب مع المخاطر.
ولعل أجمل ما يمكن أن تنتهي إليه هذه الإصلاحات هو أن تصبح السوق المالية السعودية مكانًا للادخار والاستثمار طويل الأجل، لا مجرد مساحة للمضاربة اليومية. وهذا يتطلب شركات جيدة، وحوكمة حقيقية، وإفصاحًا واضحًا، ومجالس إدارة مسؤولة، ومنظومة طروحات أكثر جودة.
لقاء السديري في تقديري لم يكن إعلان حلول بقدر ما كان تحديدًا لاتجاه المرحلة المقبلة. والاختبار الحقيقي سيبدأ بعد انتهاء التسعين يومًا: ماذا تغير في الطروحات؟ ماذا حدث للعدالة بين المستثمرين؟ وهل عاد الفرد إلى السوق بثقة أكبر؟
السوق السعودية اليوم لا ينقصها الحجم ولا التقنية ولا الطموح، لكنها تحتاج أن تتقدم هذه العناصر جميعًا تحت مظلة واحدة:
لم يكن أهم ما خرجت به من لقاء معالي الأستاذ مازن بن تركي السديري، رئيس مجلس هيئة السوق المالية، أرقامًا أو تنظيمات جديدة بقدر ما كان كلمة تكررت بمعانٍ مختلفة طوال الحوار: العدالة.
فالحديث عن تراجع عدد كبير من الأسهم، وجودة الطروحات، وعزوف بعض المستثمرين الأفراد، والخوارزميات والبيع على المكشوف، ليست ملفات منفصلة في رأيي، بل أجزاء من سؤال واحد: هل يشعر جميع المشاركين بأن السوق عادلة وشفافة، وأن الفرص والمعلومات والقواعد متاحة للجميع؟
وأعتقد أن البداية الصحيحة كانت الاعتراف بوجود تحديات تستحق الإصلاح، ووضع برنامج عمل خلال تسعين يومًا. الأسواق لا تحتاج من المنظم أن يدافع عن كل ما يحدث فيها، بل أن يراقب ويشخّص ويتدخل عندما تظهر اختلالات تؤثر في كفاءتها أو الثقة بها.
ومن أهم الملفات المطروحة الاكتتابات الأولية. لقد اعتدنا الاحتفاء بعدد مرات التغطية وكأنه شهادة نهائية على نجاح الطرح، بينما التجربة أثبتت أن الطلب الكبير قبل الإدراج لا يعني بالضرورة أن التسعير كان مناسبًا أو أن السهم سيحقق أداءً جيدًا بعده. ولهذا فإن إعادة النظر في مفهوم نجاح الطرح خطوة مهمة.
وفي رأيي، المطلوب يتجاوز مراقبة سعر السهم بعد الإدراج إلى مراجعة المنظومة كاملة: جودة الشركة، وعدالة التقييم، وآلية بناء سجل الأوامر، وحقيقة الطلب المؤسسي، ودور المستشارين ومديري الطرح. وعندما تتراجع بعض الأسهم بعد الإدراج بصورة كبيرة، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال: هل كان التقييم واقعيًا منذ البداية؟
والأهم هنا هو تحديد المسؤولية. فلا ينبغي أن تنتهي مسؤولية الأطراف المشاركة بمجرد نجاح الاكتتاب وجمع الأموال. جودة الطرح يجب أن تصبح مسؤولية مهنية تمتد من الشركة إلى المستشار المالي ومدير الاكتتاب وكل من أسهم في التقييم والتسعير.
أما النقطة التي استوقفتني كثيرًا فهي العلاقة بين التقنية والعدالة. تداولات الخوارزميات جزء طبيعي من الأسواق الحديثة، ولا يمكن أن نواجه التطور التقني بالمنع، لكن التقنية لا ينبغي أن تصبح على حساب تكافؤ الفرص. فالسوق المتقدمة ليست الأسرع تنفيذًا فقط، وإنما الأكثر قدرة على ضمان أن التطور التقني لا يمنح طرفًا قدرة غير عادلة على حساب طرف آخر.
وينطبق الأمر نفسه على البيع على المكشوف. نحن نحتاج الأدوات المالية الحديثة لزيادة عمق السوق وكفاءتها، لكن كل أداة جديدة يجب أن يرافقها تنظيم ورقابة تتناسبان مع أثرها. التطوير الحقيقي ليس في كثرة الأدوات، وإنما في استخدامها بطريقة تضيف إلى السوق ولا تخل بتوازنها.
وأرى كذلك أن الحديث عن عزوف المستثمر الفرد يستحق وقفة أطول. فالمستثمر الفرد ليس عبئًا على السوق، بل عنصر أساسي في عمقها واستدامتها. وزيادة حصته في الطروحات خطوة جيدة، لكن الأهم هو استعادة ثقته. والثقة لا تُبنى بتخصيص نسبة أكبر له فقط، وإنما بجودة الشركات المطروحة، وعدالة الأسعار، والشفافية، وحماية حقوق المساهمين.
كما أن خروج المستثمر السعودي للاستثمار في الأسواق العالمية لا ينبغي أن يعالج بالقيود، وهذا توجه أراه صحيحًا. السيولة لا تبقى بالأوامر؛ تبقى عندما يجد المستثمر في سوقه فرصًا منافسة وشفافية وثقة وعائدًا يتناسب مع المخاطر.