السودان بين ضغوط التفاوض وحسم المعركة.. تباين المواقف الدولية وتمسك الخرطوم بالخيار العسكري

تشهد الأزمة السودانية مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية والدبلوماسية، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة المواجهات، بالتزامن مع تصاعد الدعوات الدولية لاستئناف مسار التفاوض وإنهاء الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.

وبينما تؤكد الأمم المتحدة وعدد من القوى الدولية ضرورة التوصل إلى وقف لإطلاق النار عبر الحوار، تتمسك الحكومة السودانية بأن أي عملية سياسية يجب أن تنطلق من إنهاء ما تصفه بـ "التمرد"، ورفض منح قوات الدعم السريع أي مكاسب سياسية أو عسكرية، وهو ما عكسه بوضوح خطاب رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وتصريحات مندوب السودان لدى مجلس الأمن الدولي.

وخلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، انتقد مندوب السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس الحارث تعدد المنابر والمسارات التفاوضية الخاصة بالأزمة السودانية، معتبرًا أن غياب التنسيق بين المبادرات الإقليمية والدولية أسهم في تعقيد الأزمة بدلًا من حلها.

وأكد أن الخرطوم تعاملت بإيجابية مع مختلف المبادرات التي طُرحت منذ اندلاع الحرب، بما في ذلك إعلان جدة والجهود التي قادتها الولايات المتحدة والسعودية ومصر وتركيا، إلى جانب التعاون مع المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة.

وفي المقابل، اتهم قوات الدعم السريع بعرقلة مسار التفاوض منذ توقيع إعلان جدة في مايو 2023، مشيرًا إلى تمسكها بالبقاء داخل المؤسسات الحكومية والمرافق العامة ومنازل المواطنين، وهو ما أدى – حسب قوله – إلى تعثر جهود وقف إطلاق النار.

وشدد المندوب السوداني على أن أي تسوية سياسية يجب أن تكون "سودانية القيادة والملكية"، مؤكدًا رفض الخرطوم لأي عملية تفاوضية تمنح قوات الدعم السريع وضعًا سياسيًا أو عسكريًا يكرس وجودها.

وأوضح أن الحكومة وضعت خطة وطنية تشمل حماية المدنيين، واستعادة الأمن، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، إلى جانب ترتيبات خاصة بخروج قوات الدعم السريع من دارفور وكردفان.

كما وجه انتقادات لبعض المؤتمرات الدولية التي عُقدت بشأن السودان، مشيرًا إلى أن الحكومة لم تُدعَ للمشاركة في اجتماعات استضافتها باريس وجنيف ولندن وبرلين، وهو ما اعتبره إخلالًا بمبدأ إشراك الدولة السودانية في أي مسار يتعلق بمستقبل البلاد.

في المقابل، عادت الولايات المتحدة إلى التأكيد على موقفها الداعي لإنهاء الحرب عبر المفاوضات، حيث شدد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، على أن الأزمة السودانية لا يمكن أن تُحسم عسكريًا، داعيًا جميع الأطراف إلى الانخراط في عملية تفاوضية دون شروط مسبقة.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من اتساع رقعة القتال، خاصة بعد احتدام المعارك في إقليم كردفان، واستمرار المواجهات في دارفور، إلى جانب تفاقم الأزمة الإنسانية وازدياد أعداد النازحين واللاجئين.

من جانبه، دعا تحالف "صمود" بقيادة رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك إلى الاستجابة الفورية لمبادرة الأمم المتحدة الخاصة بإقرار هدنة إنسانية.

وأكد التحالف أن نجاح أي هدنة يتطلب أن تكون جزءًا من عملية سياسية شاملة تؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإنهاء الحرب، وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.

وفي المقابل، حمل خطاب رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رسائل واضحة بشأن موقف القيادة السودانية من مستقبل الحرب.

وأكد البرهان، خلال مخاطبته المصلين بمسيد الشيخ أبو قرون بمحلية شرق النيل، أن السودان ماضٍ في "طريق الحق والكرامة" منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، مشددًا على أن القضاء على التمرد يمثل الخيار الوحيد لإنهاء الأزمة.

وقال إن القوات المسلحة لن تدخل في أي مفاوضات لا تؤدي إلى تفكيك قوات الدعم السريع وتسليم سلاحها، مؤكدًا أن كل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوداني يجب أن يخضع للمساءلة القانونية.

وأضاف أن ما تتعرض له مدينة الأبيض من استهداف للبنية التحتية ومحطات الكهرباء والمياه والوقود يبرهن – حسب وصفه – على أن الحرب تستهدف الشعب السوداني وليس الحكومة فقط.

وكشف البرهان أن القوات المسلحة مستمرة في تنفيذ ما وصفه باستراتيجية "الحفر بالإبرة"، مؤكدًا أنها أسهمت في استعادة السيطرة على ولايات الجزيرة والنيل الأبيض والخرطوم، وأن العمليات العسكرية ستتواصل حتى إخراج قوات الدعم السريع من دارفور وكردفان.

كما رفض الدعوات المطالبة بإصلاح أو تفكيك القوات المسلحة، مؤكدًا أن الجيش يمثل المؤسسة الوطنية التي تحظى بثقة الشعب السوداني، وأن قوته مستمدة من الالتفاف الشعبي حوله.

تعكس المواقف الأخيرة اتساع الفجوة بين الرؤية الدولية التي تدفع باتجاه وقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية، وبين الموقف الرسمي السوداني الذي يربط أي تسوية بتحقيق مكاسب عسكرية وإنهاء وجود قوات الدعم السريع.

وفي ظل استمرار المعارك واتساع رقعتها، يبدو أن المشهد السوداني لا يزال مفتوحًا على جميع الاحتمالات، بينما تتواصل الضغوط الإقليمية والدولية للبحث عن صيغة توازن بين متطلبات الأمن وضرورات الحل السياسي، في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في المنطقة.