في زخم السيرة السياسية لكمال جنبلاط، حيث الزعامة الدرزية والنضال الوطني والصراع مع السلطة، يظلّ "السلام أناندا" بمثابة النافذة الأكثر حميمية على باطن الرجل. الكتاب، الذي صدر عن الدار التقدمية في المختارة عام 1981 في طبعة ثانية من 104 صفحات، لا يحمل برنامجاً حزبياً، بل يحمل "كلمات سماوية الصَّدا، تضوع بالفرح والمعرفة والنور، كأنّها عِطرٌ من البخور الإلهي" [1]. إنه الإفصاح العلني عن مخزون جنبلاط العرفاني، حيث يضع خبرته الروحية على أقدام معلميه في اليوغا والفيدنتا، مبتعداً عن لغة السياسة إلى لغة النشوة الوجودية.
يدور المحور الفلسفي للكتاب حول مفهوم "أناندا" (Ananda) المستل من الفلسفة الهندية (الأوبانيشاد والفيدنتا). لا تعني أناندا هنا مجرد الفرح العابر، بل تُسوّى في عمق الكتاب بالنشوة التي تعتري الذات لحظة انعتاقها الكامل من قيود الجسد. يضع جنبلاط معادلته الصوفية الأكثر جرأة: أناندا = النشوة = تحرر الوعي. وكما يصف في ثنايا الكتاب، فإن هذه الحالة ليست وهماً، بل هي الذات حين "تنشد اللاشيء"، وتتخلى عن التعلقات كشرط وحيد لنيل السعادة المطلقة.
لم يكن هذا الكتاب طارئاً في مشروع جنبلاط، بل يأتي ضمن سلسلة عرفانية متكاملة (تشمل: "في مسالك العرفان"، و"الحياة والنور"، و"سعادة الروح")، مما يشير إلى منهجية بحث روحي استمرت لعقود. لقد كان جنبلاط، وفق اعترافه، تلميذاً مخلصاً لتعاليم اليوجا التقليدية الخمسة: النظافة، والرضا، والتقشف، والتسليم، ودراسة الكتب الروحية. وهذا ما يمنح كتاباته نزعة تطبيقية، لا مجرد تنظير أكاديمي جاف.
في الكتاب الموازي "سعادة الروح"، يشرح جنبلاط فلسفة "مركز الغيبة" في ضمير الذات العليا، مؤكداً أن التحرر من الزمان والمكان والأغراض هو الباب المؤدي إلى النعيم. السعادة الحقيقية في هذا المنطق، وكما يرى جنبلاط، هي "نيلك كل ما تبغيه بلا نقصان"، لكنه يقلب المعادلة ليؤكد أن هذا "المحال" لا يتحقق إلا إذا كان كل ما تبغيه هو "لا شيء". الذات هنا أشبه ببلورة صافية، لا تؤثر بها الصبغات الخارجية؛ فالحكيم يعرف أنه بلّور، بينما الجاهل يظن نفسه ملوناً بتلك الصبغات.
لكن المفارقة الأشد إيلاماً، والتي تغيب عن معظم قراءات الكتاب، هي لحظة كتابته وتحديداً عام 1981. في ذلك التاريخ، كان لبنان يغلي في أوج حربه الأهلية؛ إذ سبقت طبعة الكتاب الثانية بعام واحد فقط الاجتياح الإسرائيلي الكبير (1982)، وكانت المعارك الطائفية في جبل لبنان قد بلغت أوجها. بينما كان الرصاص يرسم خرائط جديدة للسلطة في الشوارع، كان جنبلاط، القائد السياسي والعسكري للجبهة التقدمية، يكتب عن "العزوف عن الأغراض" و"النشوة الروحية" في قصر المختارة.
هذا التوقيت لا يقلل من قيمة الكتاب، بل يضاعف من عمقه التراجيدي. إنه يطرح سؤالاً وجودياً مرعباً: كيف يُوفق رجل بين قيادة نضال مسلح يتطلب حسابات العدو والصديق، وبين سعيه إلى "أناندا" التي تتطلب القطيعة مع كل الأغراض الدنيوية؟ ربما كان الكتاب، في ذلك السياق الدامي، ليس مجرد هروب روحاني، بل كان ملاذاً أخلاقياً ضرورياً، محاولة يائسة للحفاظ على الجوهر الإنساني في زهرة الوحشية السياسية.
في قراءة نقدية، قد تبدو هذه الثنائية (النضال السياسي مقابل العزوف الروحي) متناقضة، لكن جنبلاط يحلّها ضمنياً عبر تحويل الفعل السياسي إلى امتداد للتزكية الداخلية. فـ "العزوف عن الأغراض" في خطابه لا يعني التخلي عن مبادئ العدالة الاجتماعية، بل التخلي عن المغانم الشخصية والعصبيات الضيقة. عندما يناضل من أجل الإنسان، فهو لا يناضل من أجل "غرض" حزبي بقدر ما يناضل من أجل "جوهر" أخلاقي. هنا تصبح السياسة عنده "فضاء اختبار" آخر للروح، لا نقيضاً لها. وهذا ما يفسر استيعابه للتنوع الديني (مسيحية، إسلام، هندوسية) بوصفه فضاءات اختبار روحي لا كأنظمة هوياتية مغلقة.
يُعدّ "السلام أناندا" في النهاية شهادة على إمكانية المصالحة بين متناقضات الوجود الإنساني. الكتاب، الذي يضع قارئه أمام خيار جوهري (هل السعادة في نيل كل شيء أم في العزوف عن كل شيء؟)، يجيب بهمّة جنبلاطية صوفية بأن الحقيقة هي الثانية. رغم صغر حجمه، يبقى هذا الكتاب هو البوصلة الروحية التي تفسر لماذا ظلّ جنبلاط، حتى في خضم انفجارات الحرب، يحاول الوصول إلى "مركز الغيبة" في الذات، لعله يجد هناك السلام الذي غاب عن أرضه. إنها رحلة الفارس الذي أدرك أن أعظم معاركه ليست على الجبهات، بل في تحرير وعيه من أغلال الجسد والزمان.
[1] جنبلاط، كمال. "السلام أناندا". المختارة، لبنان: الدار التقدمية، 1981 (الطبعة الثانية).
[2] جنبلاط، كمال. "سعادة الروح". الدار التقدمية.
[3] محمود، عفة. "الروحانيات والتصوّف في فكر كمال جنبلاط".
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
كمال جنبلاط: من عينطورة إلى المختارة... حيث بدأت رحلة الفكر
ربع قرن من النضال... حين كتب كمال جنبلاط سيرة حزبٍ وأمة
بين "هذه وصيتي" و"قدر في هذا المشرق": من مشروع الدولة إلى اختبار التاريخ
حين تتحول الزعامة من إرث اجتماعي إلى سؤال أخلاقي