السفير محمود علام: زيارة شي جين بينج لمصر تتجاوز الطابع البروتوكولي.. والقاهرة مطالبة بتحويل الشراكة مع بكين إلى استثمارات ونقل للتكنولوجيا(حوار)

تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في توقيت بالغ الأهمية، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، ونحو عشر سنوات على آخر زيارة للرئيس الصيني إلى القاهرة، وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وتطورات متلاحقة في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ضوء ما شهدته العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الماضية من تطور، وصولًا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وما صاحب ذلك من توسع في الاستثمارات والمشروعات الصينية في مصر، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والاتصالات، إلى جانب تنامي التعاون في المجالات التكنولوجية والصناعية.

كما يتناول الحوار أهمية منطقة قناة السويس بالنسبة للاستثمارات الصينية، ومستقبل مبادرة الحزام والطريق، وإمكانية الاستفادة من التجربة التنموية الصينية، إلى جانب الملفات الإقليمية والدولية التي يمكن أن تكون حاضرة على مائدة القمة المصرية الصينية.

كيف تقرأون دلالات زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في هذا التوقيت، خاصة أنها تأتي بعد نحو عشر سنوات من آخر زيارة له إلى القاهرة، وبالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؟

قال السفير محمود علام، سفير مصر الأسبق لدى الصين، إن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج المرتقبة إلى مصر هذا الشهر تتجاوز كونها زيارة بروتوكولية أو احتفالية بمناسبة مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، أو مرور عشر سنوات على آخر زيارة للرئيس الصيني إلى مصر، مؤكدًا أنها تأتي في إطار التطورات التي تشهدها العلاقات المصرية الصينية.

وأضاف أن الزيارة تأتي أيضًا في سياق ما حققته الصين وانطلاقها على الساحة العالمية باعتبارها قوة عظمى، لها مصالحها ولها رؤيتها لعالم جديد، وتسعى إلى تطوير علاقاتها مع قوى ودول تمثل ركائز مهمة في مناطق رئيسية من العالم، خاصة في ظل ما تشهده مناطق مثل الشرق الأوسط من تحديات وصراعات.

وأوضح أن هذه التحديات تتمثل، من بين أمور أخرى، في الحرب الإيرانية الأخيرة وتأثيراتها على إمدادات الطاقة وحرية الملاحة وغيرها، مشيرًا إلى أن الصين، في إطار مبادرة الحزام والطريق وعلاقاتها مع الدول الأفريقية، تسعى إلى بناء شراكات مع دول تمثل ركائز مهمة في محيطها.

وأشار علام إلى أن مصر تقف في موقع متقدم بين دول المنطقة ودول القارة الأفريقية، سواء بفضل موقعها الاستراتيجي المهم لحركة التجارة الصينية، خاصة عبر منطقة قناة السويس، أو من خلال قدرتها على خلق شراكات مع ركائز يمكن أن تمثل نقاطًا ونماذج ناجحة للتنمية في الدول المحيطة بها.

وأكد أن مصر، في ضوء جهود التنمية التي تشهدها، قادرة على تحقيق هذا النموذج، لافتًا إلى أن الجانب المصري يرى في الشراكة مع الصين فرصة مهمة لتحقيق طموحاته في مجال التنمية وجذب الاستثمارات وتنويع الاقتصاد في مجالات مختلفة، من الطاقة المتجددة إلى صناعة السيارات وغيرها من المجالات.

ما الرسائل السياسية التي تحملها الزيارة بالنسبة للعلاقات المصرية الصينية، في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة؟

قال علام إن الزيارة تمثل خطوة متقدمة في بناء الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تمت بين مصر والصين عام 2014، والبناء على ما تم إنجازه فيها، ووضع رؤية لتطوير هذه الشراكة إلى أبعاد جديدة ومتنامية، سواء في التعاون الثنائي أو في التعاون بشأن القضايا الإقليمية أو العالمية.

وأوضح أن ذلك يشمل أيضًا التعاون في إطار المبادرات الصينية في مجال التنمية العالمية والأمن العالمي والحوكمة العالمية، التي تسعى إلى بناء عالم جديد أكثر توازنًا، وهو ما يحتاج إلى تفاعل بين الشركاء الأساسيين، ومنهم الشراكة المصرية الصينية.

إلى أي مدى تعكس الزيارة مستوى الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين؟

أجاب السفير محمود علام بأن العلاقات شهدت خلال الأعوام الأخيرة، وخاصة منذ الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني، العديد من التطورات في مجال إنجاز هذه الشراكة، وخاصة في مشاركة الشركات الصينية في مشروعات قومية واستراتيجية مهمة في مصر في مجالات البنية التحتية والصناعات المختلفة.

وأوضح أن الشركات الصينية شاركت، على سبيل المثال، في منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، وإنشاء القطار الكهربائي الخفيف، ومشروعات الطاقة والاتصالات.

وأضاف أن الاستثمارات الصينية التي بدأت في منطقة تيدا بالعين السخنة أصبحت قاعدة رئيسية انطلقت منها الاستثمارات الصينية إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومناطق أخرى في مصر.

وأشار إلى أن البرنامج التنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الجانبين خلال الفترة من 2024 إلى 2028 يعمل على تحويل الإرادة السياسية إلى مشروعات ملموسة.

كيف تقيمون مسار العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات العشر الماضية، وما أبرز التحولات التي طرأت عليها؟

قال علام إن العلاقات المصرية الصينية شهدت تطورًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى المشروعات أو الاستثمارات أو التعاون الاقتصادي والتنموي، موضحًا أن المشاركة الصينية لم تعد مقتصرة على مجال واحد، وإنما امتدت إلى عدد من المشروعات القومية والاستراتيجية.

ولفت إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ، وفق الأرقام التي ذكرها، 19.5 مليار دولار في عام 2024، مقابل 17.7 مليار دولار في عام 2023، بزيادة تقارب 12%.

وأضاف أن حجم التبادل التجاري شهد نموًا متزايدًا كل عام، كما يوجد في مصر حتى الآن أكثر من 3 آلاف شركة صينية، باستثمارات إجمالية تتجاوز 8 مليارات دولار.

وأكد أن الأهم خلال المرحلة المقبلة هو ما يمكن أن تحققه الزيادة في حجم ونشاط هذه الاستثمارات، وتطوير نشاط الشركات الموجودة وتعظيم الاستفادة منها.

في ظل المشروعات الصينية الكبرى في مصر، كيف يمكن للزيارة أن تدفع الاستثمارات الصينية إلى مستويات جديدة؟

قال السفير محمود علام إن الزيارة تأتي للبناء على ما تم إنجازه ووضع قاعدة صلبة أصبحت أساسًا للشراكة الاستراتيجية الشاملة، مشيرًا إلى زيادة عدد وحجم الاستثمارات الصينية، لكنه يرى أن الزيارة يمكن أن تعطي دفعة نوعية لهذه الاستثمارات، سواء في مجالات جديدة أو من خلال تطوير ما هو قائم بالفعل.

وأوضح أن من بين المجالات التي يمكن أن تشهد مزيدًا من التعاون تصنيع الخلايا والألواح الشمسية وأنظمة تخزين الطاقة، ومواد التغليف، وتوربينات الرياح، إلى جانب ما تم البدء فيه لتحقيق توليد يصل إلى 2000 ميجاوات من طاقة الرياح.

وأشار كذلك إلى مشروعات تصنيع البطاريات وتخزين الطاقة، مؤكدًا أن الزيارة يمكن أن تضيف بعدًا مهمًا يتمثل في مزيد من نقل التكنولوجيا الصينية الحديثة إلى الجانب المصري، ومزيد من توطين هذه الصناعات، ومزيد من مشاركة الجانب المصري في هذه الصناعات.

كيف يمكن لمصر الاستفادة من نقل التكنولوجيا الصينية وتوطين الصناعات الجديدة؟

أوضح علام أن الأمر لا يتعلق فقط بخلق العمالة المدربة الحديثة، وإنما أيضًا باستخدام مواد خام مصرية يتم تطويرها وتصنيعها، مشيرًا إلى إمكانية الاستفادة من الخامات والمواد النادرة التي يمكن أن تكون موجودة في سيناء، أو من الرمال السوداء وغيرها.