لم تكن الدبلوماسية بعيدة عن الأدب والثقافة، فالتنقل بين البلدان والاطلاع على ثقافات الشعوب وآدابها يمنحان العمل الدبلوماسي أبعاداً تتجاوز العلاقات السياسية، ويفتحان آفاقاً أوسع للتأمل والكتابة والإبداع. وفي هذا السياق، تتصل التجربة الدبلوماسية بالاهتمامات الفكرية والأدبية، بما تحمله من معرفة بالمجتمعات وتاريخها وتحولاتها.
ومن هذه المساحة التي تجمع بين الدبلوماسية والأدب، تأتي تجربة الدكتور عبدالرحمن الجديع، والحاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة شمال أريزونا الأمريكية. بدأ مسيرته المهنية في وزارة الخارجية عام 1985م، وعمل أستاذاً مساعداً في معهد الدراسات الدبلوماسية، ورئيساً لإدارة مجلس التعاون الخليجي، قبل أن يتولى مهام دبلوماسية في سويسرا وجنيف، ثم قنصلاً عاماً للمملكة في نيويورك، وسفيراً لدى السويد والنرويج وأيسلندا، وصولاً إلى تعيينه سفيراً للمملكة لدى المغرب عام 2014م. كما شارك في عدد من دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحصل على وسام النجم القطبي من ملك السويد، والوسام العلوي من ملك المغرب.
وإلى جانب مسيرته الدبلوماسية، اهتم الجديع بالشعر والتأليف، وأصدر ديوان «وحي الغربة»، وكتاب «السياسة الخارجية السعودية.. الثوابت والممارسة»، وشارك خلال وجوده في نيويورك في تأسيس «الرابطة القلمية الجديدة» عام 2005م، امتداداً لاهتمامه بالأدب المهجري والتواصل الثقافي.
وفي حواره مع «الرياض»، يتناول الجديع التحولات التي يشهدها العمل الدبلوماسي، وعلاقة الثقافة بالدبلوماسية، ويتحدث عن قراءاته في أدب حمزة شحاته وميخائيل نعيمة وألبير كامو، وتجربته في إحياء فكرة الرابطة القلمية الجديدة بنيويورك، وصولاً إلى روايته «رايات الرماد» التي تتناول الصراعات التاريخية وأثرها في العلاقات الإنسانية، وذلك في تفاصيل الحوار التالي:
*أنت دبلوماسي وكاتب وشاعر، وعملت سفيراً في عدد من الدول. كيف تنظر إلى الدبلوماسية اليوم ودور الدبلوماسي في عالم يشهد تحولات متسارعة؟
-أرحب بجريدة «الرياض»، لما لها من مكانة إعلامية وثقافية ودور مؤثر في الرأي العام.
تشهد الدبلوماسية تطوراً في مفاهيمها وأدواتها، وأصبحت وسيلة أساسية لإدارة العلاقات الدولية بالحوار والتفاوض، خصوصاً في الأزمات. وهي مهنة تتطلب وعياً واسعاً واحترافية واستقامة شخصية. فالدبلوماسي ليس مجرد ناقل لموقف بلاده، بل شريك في إدارة الأزمات وصياغة الأحداث والتأثير فيها.
*يرى بعضهم أن التطور الرقمي قلّص أهمية السفير. هل تتفق مع هذا الرأي؟
-لا أتفق معه. لقد غيّرت التكنولوجيا أدوات العمل الدبلوماسي، لكنها لم تُلغِ الحاجة إلى الدبلوماسي. فالتواصل المباشر يظل أساسياً في شرح المواقف وتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والدفاع عن مصالح الدولة. والأزمات لا تُدار بالتكنولوجيا وحدها، بل بالحوار والثقة والقدرة على فهم الآخرين وقراءة دوافعهم.
*كيف تنظر إلى الثقافة ودورها في العمل الدبلوماسي؟
-أود الإشادة بجهود وزارة الثقافة في المملكة، وبالدعم الذي يحظى به القطاع الثقافي من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، -حفظهما الله-، وبجهود وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان.
الثقافة ضرورية للدبلوماسي في مختلف المواقع. وأنا مهتم بالشعر والكتابة، وقد أنجزت دواوين شعرية ورواية، إلى جانب كتب في الفكر الدبلوماسي وأصوله ولياقاته. وأجد في الكتابة متعة خاصة، ولا سيما أنني أميل إلى العزلة والتأمل.
وقد كان لكثير من الدبلوماسيين السعوديين والعرب حضور أدبي بارز، مثل غازي القصيبي وعبدالعزيز خوجة وحسن القرشي وعمر أبو ريشة ونزار قباني. فالثقافة والإبداع يرتقيان بالإنسان، والشعر يحوّل التجربة الإنسانية إلى لغة أكثر قدرة على البقاء والتأثير.
*ما الذي يجمع بين حمزة شحاته وميخائيل نعيمة وألبير كامو، رغم اختلاف تجاربهم؟
-يجمع بينهم أن الأدب لم يكن مجرد كتابة جميلة، بل مسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع. فقد اهتموا بالكرامة الإنسانية والقيم وعلاقة الفرد بالمجتمع الذي يعيش فيه.
اتجه ميخائيل نعيمة إلى التأمل في النفس والحقيقة الروحية والطبيعة، بينما اهتم كامو بقضايا العبث والحرية والمسؤولية والتضامن الإنساني. أما حمزة شحاته، فكان من الأصوات التي أسهمت في تجديد الأدب السعودي، وتميز بأسلوبه النقدي وسخريته العميقة. ورغم اختلاف تجاربهم، فقد جمعهم الإيمان بأن الكتابة وسيلة للبحث عن الحقيقة، ومراجعة الأفكار السائدة، وفهم الإنسان والعالم من حوله.
*كيف تقرأ تجربة حمزة شحاته ومكانته في الأدب السعودي؟
-حمزة شحاته من أبرز أعلام الأدب السعودي، وشاعر كبير من شعراء الحجاز. ولد في مكة عام 1909، ودرس في مدارس الفلاح بجدة، وتأثر بالحركات الفكرية والثقافية التي شهدها العالم العربي مطلع القرن العشرين.
كان واسع الاطلاع على الأدب والفنون والفلسفة والموسيقى، وشارك في النشاط الفكري والأدبي بجدة، وتواصل مع أدباء مثل أحمد قنديل وعزيز ضياء وحسين زيدان. وتأثر به لاحقاً أدباء سعوديون، منهم محمد حسن فقي وحسن القرشي وعبدالله خياط وعبدالله الجفري.
وتكشف محاضرته الشهيرة «الرجولة عماد الخلق الفاضل» عن اهتمامه بقضايا الشخصية والفضيلة وبناء الإنسان. كما رفض نشر كتبه في حياته، ولم تُجمع بعض أعماله إلا بعد وفاته. وقد غادر الحجاز إلى القاهرة في أواخر حياته، حيث توفي عام 1972.
*ماذا يجذبك في التجربة الفكرية والأدبية لألبير كامو؟
-كامو كاتب وروائي وفيلسوف فرنسي من أصل جزائري، نال جائزة نوبل للآداب عام 1957، ومن أشهر أعماله «الغريب» و»الطاعون» و»الإنسان المتمرد» و»أسطورة سيزيف».
تناولت كتاباته قضايا الموت والحياة والعبث والحرية والمسؤولية. وكان يرى أن الإنسان، حتى إن لم يستطع تغيير مصيره دائماً، يستطيع مواجهته بوعي وكرامة، وألا يستسلم لصعوبات الحياة.
وفي «أسطورة سيزيف»، يُحكم على سيزيف بدفع صخرة إلى قمة الجبل، لكنها تعود إلى الأسفل، فيكرر مهمته إلى الأبد. ومن خلال هذه القصة، يوضح كامو أن قيمة الإنسان لا تكمن في الوصول إلى هدفه فقط، بل في إدراكه لمعنى كفاحه وإصراره على الاستمرار. أما رواية «الطاعون»، فلا تقتصر على حكاية الوباء، بل تتناول الضمير الإنساني والتضامن في مواجهة الخوف والموت، وقد عادت إلى اهتمام القراء أثناء جائحة كوفيد 19.
*وماذا عن ميخائيل نعيمة؟
-نعيمة أديب وشاعر وفيلسوف لبناني، وأحد أبرز رواد الأدب المهجري. ولد في بسكنتا عام 1889، وتوفي في بيروت عام 1988. تأثر بالأدب الروسي، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة، حيث انضم إلى جبران خليل جبران وأدباء عرب آخرين، وأسهم في تأسيس الرابطة القلمية بنيويورك عام 1920.
كان له دور بارز في تجديد الأدب العربي وتحريره من الأساليب التقليدية، وظل مهتماً بالإنسان والطبيعة والروح والحقيقة. ومن أشهر كتبه «الغربال» و»مرداد» و»سبعون»، إلى جانب كتابه عن جبران خليل جبران. وقد ترك أعمالاً أدبية وفكرية أسهمت في تطور الأدب العربي الحديث.
*كيف بدأت حكاية إحياء الرابطة القلمية الجديدة في نيويورك؟
-كنت أؤمن بأن النشاط الثقافي والاجتماعي جزء أساسي من العمل الدبلوماسي، خصوصاً في مدينة متعددة الثقافات مثل نيويورك. لذلك حرصت على تعزيز التواصل مع الجاليات العربية والأدباء والمفكرين.
وبعد توقف الرابطة القلمية الأولى، رأيت مع عدد من الأدباء والشعراء ضرورة إحياء فكرتها، واتفقنا على تسميتها «الرابطة القلمية الجديدة»، لتكون امتداداً للتجربة الأولى. وقد أثبتت حضورها عبر أنشطتها الثقافية، وكان عميدها الشاعر يوسف عبدالصمد، ونائبه الدكتور جورج يونان. وكان هدفنا ربط الإبداع العربي بجذوره، وتعزيز تواصله مع الثقافة العالمية.
*كيف تنظر إلى الأدب، وإلى أي ألوانه تميل؟
-أنا مهتم بالثقافة والشعر، ولا أميل في كتاباتي إلى الأساليب القديمة أو التقليدية. أرى أن على الأديب أن يكون قريباً من بيئته وقضايا عصره، وألا يظل أسير الماضي، لأن التمسك به دون مراجعة قد يتحول إلى نوع من الجمود الفكري.
نعيش في بيئة ثقافية متجددة، تتفاعل فيها المعارف والثقافات عبر التقنية ووسائل التواصل. ومن المهم مواكبة هذا الانفتاح بروح من التسامح واللين، بعيداً عن العنف والقسوة. وفي الدبلوماسية نقول: «ارفع حاجبيك واخفض صوتك»، وربما تصلح هذه القاعدة للأدب أيضاً، فالقوة ليست في ارتفاع الصوت، بل في القدرة على التأثير.
وأحب الشعر لما يمنحه النفس من بعد روحي، ولقدرته على التعبير عن المشاعر والكشف عن الحب والجمال في الإنسان.
*رغم اهتمامك بالشعر، اتجهت إلى الرواية. ما الذي جذبك إليها، وما موضوع روايتك الجديدة؟
-عندما بدأت كتابة الرواية، وجدت أن لدي رغبة في السرد لا تستطيع القصيدة استيعابها. فالشعر يميل إلى الاختصار والتركيز، بينما تمنح الرواية مساحة أوسع للتفاصيل والحوار وبناء الشخصيات. وقد أتاح لي ذلك التعبير عن فكرة تشغلني منذ زمن، وهي التعايش بين الثقافات والحضارات ورفض الحروب.
من هنا جاءت روايتي «رايات الرماد»، التي تجمع بين التاريخ والخيال. وتستعيد الرواية جانباً من تاريخ القرن السادس الميلادي، من خلال قصة حب بين الفارس عامر الغساني وفتاة من المناذرة، في فترة شهدت صراعات بين القوى الإقليمية على النفوذ، وأثرت فيها العداوات القديمة على حياة الأفراد والمجتمعات.
وتحاول الرواية، من خلال الموروث الشعبي والأساطير والحكايات، إظهار كيف تنتقل آثار الصراعات القديمة من جيل إلى آخر، وتبقى في ذاكرة المجتمعات، لتعود الخلافات والمآسي من جديد.
ولم تكن «رايات الرماد» مجرد رواية تاريخية، بل محاولة لفهم حاضرنا من خلال الماضي، والتأمل في الأسباب التي تحول الجيرة إلى خصومة، والحب إلى ضحية، والذكريات إلى عبء ثقيل، عندما تتغلب مشاعر الثأر والانتقام على القيم الإنسانية.
د. الجديع مع تجمّع أعضاء الرابطة القلمية مع العميد الشاعر يوسف عبدالصمد
د. الجديع مع الرئيس اللبناني السابق والشاعر سعيد عقل وبعض الأدباء