السعودية.. قلب التضامن ودرع الاستقرار – حذامي  محجوب

ليست الحروب مجرد مواجهات عسكرية تُقاس نتائجها بما تحققه الجيوش في ميادين القتال، ولا الأزمات الإقليمية أحداثاً عابرة تنتهي بإعلان وقف إطلاق النار أو توقيع اتفاق سياسي.

الحروب، في جوهرها، امتحان للقيم، واختبار لمعدن الدول، وكاشف حقيقي لطبيعة العلاقات التي تجمع الشعوب والأمم. وفي لحظات المحن تحديداً، تسقط الأقنعة، وتتراجع الحسابات الضيقة، ويصبح التضامن بين الأشقاء ضرورة تتصل بالبقاء والأمن والمصير، لا مجرد شعار تردده الخطب أو عاطفة تستحضرها المناسبات.

في منطقة تتكاثر فيها بؤر الصراع، وتتداخل فيها التدخلات الخارجية مع الأزمات الداخلية، وتدفع شعوبها أثماناً باهظة من دمائها واستقرارها ومستقبل أجيالها، لم يعد مقبولاً أن يُنظر إلى مأساة بلد عربي أو إسلامي باعتبارها شأناً بعيداً لا يعني الآخرين.

فالأمن في هذه المنطقة شبكة مترابطة، والاستقرار لا يعرف حدوداً مغلقة، وما يصيب دولة من اضطراب قد يمتد أثره إلى جيرانها، ويهدد طرق التجارة والطاقة، ويعمّق الأزمات الاقتصادية والإنسانية، ويفتح الأبواب أمام مزيد من الفوضى.

ولعل أخطر ما تواجهه الأمة في زمن الحروب ليس اتساع رقعة المواجهات وحده، بل عجزها عن تحويل ما يجمعها من تاريخ ودين وثقافة ومصالح مشتركة إلى موقف عملي مؤثر. فحين يغيب التنسيق، وتطغى الحسابات المنفردة، تصبح الدول أكثر عرضة للضغوط والتدخلات، وتُترك الشعوب وحيدة في مواجهة مصائر قاسية.

أما حين تتقاطع الإرادات وتتوحد الجهود، فإن التضامن يتحول إلى قوة سياسية وإنسانية قادرة على احتواء الأزمات، وحماية الدول، وفتح مسارات للحلول.

من هذا المنطلق، تبرز المملكة العربية السعودية في قلب المعادلة العربية والإسلامية، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي، ومكانة دينية استثنائية بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين، وبما راكمته عبر عقود من حضور في الملفات الإقليمية والدولية.

المملكة ليست مجرد دولة مؤثرة في محيطها الجغرافي، بل تمثل ثقلاً روحياً وسياسياً تتطلع إليه شعوب عربية وإسلامية كثيرة في أوقات الشدة، وتنتظر منه المبادرة والمساندة وجمع الكلمة.

غير أن هذه المكانة لا تُقاس بما تمنحه من رمزية فحسب، وإنما بما تقترن به من مسؤولية وفعل ومواقف في اللحظات التاريخية الفاصلة.

ولعل الثاني من أغسطس عام 1990 يظل واحداً من أبرز الشواهد على معنى التضامن حين يتحول من موقف معلن إلى فعل تاريخي. ففي ذلك اليوم اجتاحت القوات العراقية دولة الكويت، ووجد شعبها نفسه أمام محنة قاسية هددت سيادته ووجوده الوطني.

لم تتعامل المملكة العربية السعودية مع الاحتلال باعتباره أزمة تخص جاراً شقيقاً فحسب، بل أدركت منذ اللحظة الأولى أن العدوان على الكويت يمس أمن الخليج واستقرار المنطقة وكرامة شعوبها جميعاً.

وبقيادة الملك فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله - فتحت المملكة أبوابها أمام القيادة الكويتية والشعب الكويتي، واحتضنت أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح والحكومة الكويتية التي اتخذت من مدينة الطائف مقراً لها خلال فترة الاحتلال. كما استقبلت آلاف الكويتيين الذين اضطروا إلى مغادرة وطنهم، وقدمت لهم المأوى والرعاية والاحتياجات الأساسية.

كان ذلك موقفاً يتجاوز حدود الواجب الإنساني، ليجسد معنى وحدة المصير، ويؤكد أن الأخوة لا تُختبر في أوقات الرخاء، وإنما حين يصبح الوطن مهدداً وأبناؤه في حاجة إلى من يفتح لهم الأبواب.

لم يتوقف الموقف السعودي عند الاحتضان الإنساني والإدانة السياسية، فقد كانت المملكة في طليعة الدول التي تحركت لمواجهة الاحتلال، وأسهمت في تشكيل التحالف الدولي لتحرير الكويت، واستضافت القوات المشاركة فيه، وشاركت قواتها المسلحة في العمليات العسكرية التي انتهت بتحرير الكويت في فبراير 1991.

وقد شكلت تلك المرحلة محطة فارقة في تاريخ العلاقات الخليجية والعربية، وبرهاناً على أن التضامن يصبح أكثر قيمة حين تسنده إرادة سياسية وقدرة على التحرك وتحمل المسؤولية.

من تلك التجربة التاريخية إلى ما شهدته المنطقة لاحقاً، ظلت المملكة حاضرة في عدد من الملفات التي مست أمن العرب واستقرارهم وحقوق شعوبهم.

ففي فلسطين، بقي دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية من الثوابت المعلنة للسياسة السعودية.

ولم يقتصر هذا الموقف على البيانات والإدانات، بل امتد إلى التحرك الدبلوماسي وحشد التأييد الدولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، والتأكيد أن السلام العادل والدائم لا يمكن أن يقوم على تجاهل حقوق الفلسطينيين أو تجاوز تطلعاتهم الوطنية.

وفي مواجهة الكارثة الإنسانية في غزة، وظفت المملكة جهودها السياسية والإغاثية للمطالبة بوقف الحرب وحماية المدنيين، والعمل على إيصال المساعدات إلى السكان الذين أنهكتهم المعاناة والحصار والدمار.

كما شاركت في تحركات عربية وإسلامية ودولية لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار الاحتلال وغياب التسوية العادلة لا يهددان شعباً واحداً فحسب، بل يقوضان فرص السلام والاستقرار في المنطقة بأسرها.

وفي لبنان، حضرت المملكة في محطات مفصلية من تاريخ هذا البلد الذي أنهكته الحروب والانقسامات والتدخلات والأزمات الاقتصادية.

فقد استضافت مؤتمر الطائف عام 1989، الذي أفضى إلى الاتفاق الذي وضع حداً للحرب الأهلية وفتح الطريق أمام إعادة بناء المؤسسات اللبنانية.

كما قدمت دعماً إنسانياً وتنموياً في مراحل مختلفة، وجددت حضورها الإغاثي خلال الحرب التي شهدها لبنان عام 2024، من خلال إرسال المساعدات الطبية والغذائية والإيوائية للمتضررين.

وهي محطات تؤكد أن المساندة لا تكتمل بمجرد إعلان المواقف، بل تحتاج إلى جهد يسهم في تخفيف معاناة الناس ومساعدة الدول على استعادة عافيتها.

أما اليمن، فقد ظل أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، بفعل الحرب وتداعياتها الإنسانية والأمنية، وما رافقها من تهديدات طالت الحدود السعودية وأمن المنطقة. ووجدت المملكة نفسها أمام مسؤولية مزدوجة: حماية أمنها الوطني، والمساهمة في دعم استقرار اليمن وتخفيف معاناة شعبه. وعلى امتداد سنوات الأزمة، لم ينحصر حضورها في الجانب الأمني، بل شمل المساعدات الغذائية والصحية والإنسانية والبرامج التنموية، إلى جانب المساعي السياسية الرامية إلى إنهاء الحرب، والحفاظ على وحدة اليمن وسيادته، وتهيئة الظروف أمام تسوية تضع حداً لمعاناة أبنائه.

وفي السودان، حيث تحولت المواجهات المسلحة إلى مأساة تهدد الدولة والمجتمع وتدفع الملايين إلى النزوح، برزت استضافة جدة للمحادثات بين الأطراف السودانية عام 2023 باعتبارها محاولة لفتح نافذة للحوار، وتثبيت الهدنة، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

وقد أكدت المملكة ضرورة وقف القتال والحفاظ على وحدة السودان وسيادته ومؤسساته، انطلاقاً من أن استمرار الحرب لا يهدد السودانيين وحدهم، بل يحمل تداعيات خطيرة على أمن المنطقة واستقرارها.

وفي سوريا، التي عاشت سنوات طويلة من الحرب والتهجير والدمار، ظل البعد الإنساني حاضراً في الجهود السعودية، بالتوازي مع التحركات السياسية الرامية إلى إيجاد مخرج للأزمة يحفظ وحدة البلاد ويعيد إليها الاستقرار.