ليست كل مشاركة في معرض للكتاب مجرد حضورٍ بين أجنحة، ولا كل كتابٍ يُعرض في مدينة بعيدة مجرد عنوان ينتظر قارئًا. أحيانًا تختصر الثقافة تاريخ دولة، وتكشف الصفحات ما لا تستطيع البيانات أن تقوله؛ لأن الكتاب حين يعبر الحدود لا يحمل حروفًا فقط، بل يحمل ذاكرة وطن، وصورته عن نفسه، وما يريد أن يقوله للعالم.
من هنا تبدو مشاركة المملكة العربية السعودية في الدورة التاسعة والثلاثين لمعرض موسكو الدولي للكتاب، المقامة في العاصمة الروسية من 2 إلى 6 سبتمبر 2026، أبعد من مشاركة ثقافية عابرة. فهي تأتي في عام استثنائي يتزامن مع مرور مئة عام على العلاقات الدبلوماسية السعودية - الروسية، لتلتقي في مشهد واحد ذاكرة قرن كامل مع حاضر ثقافي سعودي يتقدم إلى العالم بثقة واقتدار.
لكن الحكاية لا تبدأ من جناح المملكة في موسكو اليوم.
ففي عام 1926 كان الاتحاد السوفيتي أول دولة في العالم تعترف بالمملكة العربية السعودية، لتبدأ بين البلدين صفحة مبكرة من التواصل الرسمي. وفي عام 1930 تحولت القنصلية السوفيتية في جدة إلى سفارة، ثم جاءت زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، إلى الاتحاد السوفيتي عام 1932، بتوجيه من الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، لتضيف محطة بارزة إلى تاريخ العلاقة بين البلدين. وبعد عقود، استؤنفت العلاقات الدبلوماسية بين المملكة والاتحاد السوفيتي عام 1990، لتدخل العلاقة مرحلة جديدة امتدت فيها جسور التواصل إلى مجالات أوسع، كان من بينها التعليم والثقافة والمعرفة.
ولم تبقَ تلك العلاقة عند حدود السياسة والدبلوماسية، بل امتدت تدريجيًا إلى المعرفة والثقافة، وكأن التاريخ كان يمهّد منذ وقت مبكر للجسر الذي نراه اليوم قائمًا بين البلدين.
في نوفمبر 1995 شهدت موسكو افتتاح قسم الأمير نايف بن عبدالعزيز للدراسات الإسلامية بجامعة موسكو، ثم جاء سبتمبر 2001 ليحمل حضورًا سعوديًا إلى معرض موسكو الدولي للكتاب، حيث قُدمت للجمهور الروسي صورة عن المنجزات الحضارية للمملكة. وفي 2002 استضافت موسكو يوم الثقافة السعودية، ثم تواصل الحضور الثقافي في العام التالي.
وفي هذه السلسلة الطويلة تبرز محطة تحمل دلالة خاصة.
ففي مشاركة المملكة بمعرض موسكو الدولي للكتاب عام 2005، شاركت جهات علمية وثقافية سعودية متعددة، وشهد الجناح للمرة الأولى عرض وتوزيع ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الروسية من إصدار مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
قد تبدو هذه الواقعة، للوهلة الأولى، تفصيلًا من تفاصيل معرض قديم؛ لكنها عند وضعها في سياقها تصبح أكثر دلالة: كان الكتاب أحد الجسور الأولى التي عبرت بها المملكة إلى القارئ الروسي، واليوم يتسع ذلك الجسر ليحمل الأدب والترجمة والتاريخ والتراث والفنون والتقنية.
هنا لا يعود التاريخ مجموعة تواريخ متتابعة، بل يصبح تفسيرًا للحاضر.
فالمملكة لم تصل إلى موسكو اليوم لتبدأ حوارًا ثقافيًا؛ إنها تعود إلى مدينة عرفت حضورها، وتستقبلها اليوم بأدوات أكثر اتساعًا، ومشهد ثقافي أكثر نضجًا، ورسالة أكثر ثقة.
تقود هيئة الأدب والنشر والترجمة المشاركة السعودية الحالية، وسط حضور واسع لمؤسسات ثقافية ومعرفية متعددة، من المكتبات الوطنية والعامة، ودارة الملك عبدالعزيز، إلى الجهات المعنية بالنشر والترجمة، والخط العربي، والتعليم، والشأن الثقافي، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف وغيرها.
إنه صورة مصغرة لدولة أصبحت الثقافة فيها منظومة مؤسسية متكاملة؛ تحفظ الذاكرة، وتنتج المعرفة، وترعى الإبداع، وتفتح أبوابها للحوار مع العالم.
وهنا تظهر رؤية المملكة 2030 في معناها الأعمق.
فالرؤية لم تصنع الثقافة السعودية من الصفر؛ فالمملكة عرفت قيمة العلم والتعليم والكتاب وحفظ التراث منذ مراحل مبكرة من بناء الدولة. لكن الرؤية أعادت تنظيم هذه الطاقة المتراكمة، ووسعت مؤسساتها ومساراتها، وجعلت الثقافة جزءًا من مشروع التنمية، ومن الهوية الوطنية، ومن الحضور الدولي للمملكة.
وهكذا يصبح الوصول إلى موسكو بالكتاب السعودي حلقة في مسار أوسع:
من حفظ الذاكرة إلى تقديمها، ومن رعاية الثقافة إلى بناء مؤسساتها، ومن الحضور المحلي إلى الحضور العالمي.
واللافت أن المملكة لا تقدم في موسكو ماضيها وحده.
ففي حضور وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، تظهر إصدارات مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ومراحل العناية به ونشره، إلى جانب تجارب رقمية حديثة، من بينها تجربة الحج بتقنية ثلاثية الأبعاد، واستكشاف المسجد الحرام بالواقع الافتراضي.
من الصفحة إلى الفضاء الافتراضي؛ ومن الكتاب الذي يُقرأ إلى التجربة التي تُعاش.
وهنا تكمن إحدى أكثر الرسائل دلالة في الحضور السعودي: أن المحافظة على الهوية لا تعني تجميدها، وأن الحداثة لا تستلزم القطيعة مع الجذور.
فالكتاب السعودي الذي يصل إلى القارئ الروسي اليوم لا يقف وحده على رف؛ خلفه مؤلف ومترجم وناشر، ومكتبة تحفظ المعرفة، ودارة تحفظ الوثيقة، وجامعة تنتج البحث، ومؤسسة ترعى الأدب، وخطاط يحفظ جمال العربية، وحرفي يحمل ذاكرة المكان، وفرق تنظيمية وتقنية تعمل على تقديم هذا كله بصورة تليق بالمملكة.
إنهم جميعًا، كلٌّ من موقعه، لا يعرضون الثقافة السعودية فحسب؛ بل يشاركون في كتابة صورتها أمام العالم.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها؛ لأن القوة الثقافية لا تُصنع في المؤسسات وحدها، كما لا يصنعها الكاتب منفردًا. إنها ثمرة تلتقي فيها الدولة بمؤسساتها، والمبدع بإنتاجه، والناشر بدوره، والمترجم بقدرته على عبور اللغة، والحرفي بمهارته في حفظ تفاصيل الهوية.
وحين تجتمع هذه العناصر تحت سقف واحد في موسكو، فإن الجناح يتحول من مساحة للعرض إلى مساحة لتعريف العالم بكيف ترى المملكة نفسها، وكيف تريد أن تُقرأ.
وتتسع المشاركة الحالية لجلسات حوارية وأمسيات شعرية وموضوعات تتصل بالأدب والنشر والترجمة والحراك الثقافي السعودي، بما يمنح الكتاب حياة تتجاوز المعروض إلى الحوار المباشر بين المبدع والقارئ والمؤسسة.
وفي معرض يجمع مئات دور النشر والفعاليات، ويتناول مستقبل صناعة الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح الحضور السعودي جزءًا من حوار عالمي لا يتحدث عن الماضي فقط، بل يسأل أيضًا: كيف سيكون الكتاب غدًا؟ وكيف ستنتقل المعرفة في زمن تتغير فيه أدواتها بسرعة؟
فهي لا تدخل المستقبل بذاكرة مقطوعة عن جذورها، ولا تحافظ على جذورها بأدوات تنتمي إلى الماضي وحده.
إنها تحاول أن تفعل الأمرين معًا: تحفظ، وتطور؛ تصون، وتبتكر؛ تستعيد الذاكرة، ثم تمنحها أدوات جديدة كي تعبر إلى المستقبل.
ولعل توافق المشاركة الحالية مع مئوية العلاقات السعودية - الروسية يمنح المشهد معنى إضافيًا.
فقد شهد عام 2026 فعاليات في موسكو تستعيد الوثائق والصور والمحطات التي صنعت تاريخ العلاقة بين البلدين، لتأتي مشاركة المملكة في معرض الكتاب وكأنها تضيف إلى الوثيقة السياسية والتاريخية وثيقة أخرى من نوع مختلف: وثيقة ثقافية تثبت أن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط في غرف السياسة والاقتصاد، وإنما تنمو أيضًا في الجامعات والمكتبات والمعارض والكتب واللغة.