السعودية.. حين يكتب الوطن تاريخه ويصنع مستقبله – سعدون مطلق  السوارج

في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، لا تمر المملكة العربية السعودية على تاريخها مرور المناسبة، بل تستعيد أمام العالم قصة دولة بدأت من مشروع توحيد، ثم تحولت عبر عقود إلى مشروع دولة حديثة، ومركز اقتصادي وسياسي وحضاري تتسع دوائر تأثيره عامًا بعد عام.

وفي اليوم الوطني السعودي، الذي يوافق الأربعاء 23 سبتمبر 2026م، الموافق 12 ربيع الآخر 1448هـ، تبدو المناسبة أكبر من احتفال؛ لأنها تختصر مسيرة وطن انتقل من لحظة التأسيس إلى صناعة المستقبل، ومن ذاكرة المكان إلى حضور الدولة في حركة العالم.

وتأتي هوية اليوم الوطني هذا العام تحت شعار «عزّنا بطبعنا»، الذي تواصل المملكة استخدامه بعد حضوره في هوية العام الماضي، مستندًا إلى قيم الشجاعة والرؤية والأصالة والهمة والجود والكرم. وهنا تكمن دلالة تتجاوز الشعار نفسه: فالهوية الوطنية ليست ماضيًا محفوظًا في الذاكرة، وإنما قيم حية تنتقل من جيل إلى جيل، وتتحول من معنى وجداني إلى قوة تدفع المجتمع نحو المستقبل.

لكن قراءة اليوم الوطني من خلال مظاهر الاحتفال وحدها تُبقي جزءًا كبيرًا من القصة خارج الصورة؛ فالأمم لا تُقاس بما ترفعه من أعلام فقط، وإنما بما أنجزته تحت هذه الأعلام، وبقدرتها على تحويل الذاكرة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى تنمية، والتنمية إلى مستقبل.

حين استرد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله الرياض عام 1902م، لم تكن تلك اللحظة مجرد واقعة عسكرية في سجل التاريخ؛ فقد كانت بداية لمسار طويل من العمل السياسي والعسكري انتهى بإعلان قيام المملكة العربية السعودية دولة موحدة.

وبعد نحو ثلاثة عقود من مسيرة التوحيد، صدر الأمر الملكي الذي غيّر اسم الدولة إلى المملكة العربية السعودية، وحدد 23 سبتمبر 1932م يومًا لإعلان التوحيد. وقد وثق المركز الوطني للوثائق والمحفوظات أصل المناسبة من خلال الوثائق الملكية التاريخية، بما فيها الأمر الملكي ومرسوم تحديد اليوم الوطني.

وهنا تصبح قيمة التاريخ أكبر من مجرد سرد للتواريخ؛ لأن التاريخ يشرح كيف صارت الدولة التي نعرفها اليوم، ولماذا أصبح الاستقرار الذي تأسست عليه المملكة قاعدة لكل ما تحقق بعدها.

فالوحدة لم تكن قرارًا إداريًا عابرًا، وإنما مشروعًا تاريخيًا طويل النفس؛ كان عليه أن يجمع جغرافيا واسعة في إطار سياسي واحد، وأن يؤسس مفهوم الدولة، وأن يضع قواعد الأمن والإدارة والتنمية، وأن يفتح الطريق أمام مجتمع ينتقل من مرحلة التفرق إلى مرحلة الدولة ومؤسساتها.

ومنذ البدايات، لم يكن بناء الدولة منفصلًا عن خدمة الإنسان والمكان؛ فقد ارتبطت السنوات الأولى بالاهتمام بالحرمين الشريفين وخدمة الحجاج والمعتمرين، وإنشاء المدارس والمستشفيات، وتطوير الزراعة والاستقرار العمراني. وهي مؤشرات مبكرة على أن مشروع التوحيد لم يكن نهاية الطريق، بل بداية مشروع بناء متكامل.

وإذا كان التاريخ يشرح كيف ولدت الدولة، فإن الاقتصاد يشرح كيف استطاعت أن تتقدم.

فالمملكة التي بدأت مواردها محدودة أمام اتساع الجغرافيا والتحديات التنموية، دخلت عصر النفط، ثم بنت حوله واحدة من أهم التجارب الاقتصادية في القرن العشرين. غير أن السعودية اليوم لا تقف عند النموذج الاقتصادي الذي عرفه العالم عنها لعقود؛ بل تعمل على بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، تتجاور فيه الطاقة مع الصناعة والتقنية والسياحة والخدمات واللوجستيات والثقافة والاستثمار.

وتكشف أحدث البيانات الرسمية حجم هذا التحول. فقد سجل الاقتصاد السعودي نموًا حقيقيًا بنسبة 4.5 % خلال عام 2025، فيما نما الاقتصاد غير النفطي بنسبة 4.9 %، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية نحو 4.789 تريليون ريال. والأهم أن النمو جاء مع ارتفاع النشاط في قطاعات اقتصادية متعددة، بما يعكس اتساع قاعدة الاقتصاد السعودي.

وهنا لا تصبح الأرقام مجرد مؤشرات مالية؛ بل تتحول إلى شواهد على انتقال الاقتصاد من الاعتماد على محرك واحد إلى منظومة أوسع من المحركات.

وفي تقرير رؤية السعودية 2030 لعام 2025، بلغ الناتج المحلي الحقيقي غير النفطي 892 مليار دولار، مقارنة بخط أساس بلغ 598 مليار دولار، فيما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي إلى 51 %، مقابل خط أساس قدره 44 %. وتستهدف الرؤية وصول مساهمة القطاع الخاص إلى 65 % بحلول 2030.

وهنا تصبح رؤية السعودية 2030 أكثر من برنامج اقتصادي؛ إنها إعادة تعريف لعلاقة المملكة بالمستقبل.

فالاقتصاد لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد أرقام للنمو، وإنما باعتباره منظومة لصناعة الفرص، وتمكين القطاع الخاص، وتطوير المدن، وجذب الاستثمارات، وفتح قطاعات جديدة أمام الأجيال القادمة.

الاستثمار حين يتحول إلى أداة لصناعة المستقبل

وفي قلب هذا التحول يقف صندوق الاستثمارات العامة بوصفه إحدى الأدوات الكبرى في إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي.

فبحسب تقريره السنوي لعام 2025، تجاوزت أصول الصندوق المدارة 900 مليار دولار، وبلغ صافي الربح أكثر من 65 مليار ريال، فيما وصلت استثماراته المحلية التراكمية منذ 2021 إلى نحو 750 مليار ريال، وساهم بأكثر من 1.286 تريليون ريال في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي للمملكة بين 2021 و2025.

لكن الرقم وحده لا يشرح القصة كاملة؛ فالأهم هو اتجاه رأس المال: نحو قطاعات ومشروعات جديدة، ونحو السياحة والتقنية والثقافة والرياضة والصناعة والخدمات اللوجستية وغيرها من القطاعات التي تتشكل حولها ملامح الاقتصاد السعودي الجديد.

وهنا يظهر معنى أعمق للاستثمار: أن تتحول الموارد إلى قدرات.

فالثروة تصبح أكثر تأثيرًا عندما تتحول إلى شركات، ومصانع، ومدن، ومهارات، وتقنيات، ومشروعات، وفرص، ومنظومات اقتصادية قادرة على الاستمرار.

وهذا هو الفارق بين اقتصاد يكتفي بإدارة موارده واقتصاد يستخدم موارده لبناء المستقبل.

ولعل أكثر ما يلفت في التجربة السعودية المعاصرة أن مشروع المستقبل لم يأت منفصلًا عن التاريخ، بل بُني فوقه.

فالمملكة التي بدأت قصتها الحديثة بتوحيد الأرض، تعمل اليوم على توسيع آفاق الإنسان والاقتصاد والمعرفة والتقنية. ومن هنا يمكن قراءة رؤية 2030 باعتبارها مرحلة جديدة في تاريخ الدولة؛ ليست قطيعة مع الماضي، وإنما انتقال من مرحلة بناء الأساس إلى مرحلة تعظيم القدرة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن الاقتصاد السعودي تجاوز حاجز التريليون دولار، وأن الأنشطة غير النفطية أصبحت تمثل أكثر من نصف الناتج، بالتوازي مع زيادة دور القطاع الخاص والمنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد.

وهذه ليست مجرد أرقام منفصلة؛ إنها صورة لتحول هيكلي طويل المدى.

فالمملكة لا تبني اقتصادًا جديدًا فقط، وإنما تعيد بناء العلاقة بين الدولة والاستثمار والقطاع الخاص والإنسان والمكان.

وهنا تحديدًا تكتسب رؤية 2030 معناها التاريخي؛ لأنها لا تسأل فقط: ماذا نملك اليوم؟ بل تسأل: ماذا نستطيع أن نبني بما نملك؟

المملكة والخليج.. تاريخ من الجوار إلى التكامل

ولا يمكن قراءة مكانة المملكة العربية السعودية بمعزل عن محيطها الخليجي.

فالجغرافيا صنعت جوارًا، والتاريخ صنع روابط، والمصالح المشتركة صنعت منظومة أصبح لها حضورها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.