السعودية.. حين تصنع القوةُ الاستقرارَ ويكتب التاريخُ شهادةَ دولة – سعدون مطلق  السوارج

ليست كل زيارةٍ دولةً تُقرأ في حدود البروتوكول، ولا كل قمةٍ تُقاس بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع في قاعات الاجتماعات؛ فبعض الزيارات تأتي في لحظةٍ يصبح فيها التاريخ حاضرًا في المشهد، وتصبح الدولة نفسها موضوعًا للقراءة، ويغدو اللقاء بين قائدين نافذةً على تحولات أوسع من حدود العلاقة الثنائية.

ومن هذه اللحظات جاءت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-، إلى الجمهورية الفرنسية، في عامٍ تكتمل فيه مئة عام على بدء العلاقات الدبلوماسية السعودية الفرنسية؛ زيارةٌ جاءت في توقيت تتداخل فيه ملفات الأمن والطاقة والملاحة والاستثمار والاقتصاد والسلام والاستقرار الإقليمي والدولي.

ولهذا فإن قيمة الزيارة لا تكمن في باريس وحدها، ولا في مراسم الاستقبال، وإنما في السؤال الأوسع الذي تطرحه أمام قارئ التاريخ والسياسة معًا:

كيف انتقلت المملكة خلال قرن من دولةٍ تثبت حضورها في النظام الدولي إلى دولةٍ أصبح حضورها نفسه أحد عناصر صناعة التوازن والاستقرار؟

والإجابة لا تُستخرج من الانطباع، وإنما من الوثيقة، ومن تراكم الوقائع، ومن مسيرة دولةٍ عرفت كيف تبني قوتها في الداخل، ثم توظفها في الخارج.

وقد وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارة ولي العهد بأنها خطوة مهمة لتعزيز السلام والاستقرار، وهي شهادة تأتي من شريك دولي رئيس، وتمنح الزيارة بعدًا يتجاوز حدود العلاقة الثنائية.

حين بدأت العلاقات السعودية الفرنسية رسميًا في عام 1926، كانت المملكة في مرحلة تثبيت حضورها السياسي والدبلوماسي. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن فرنسا أرسلت قنصلًا مكلفًا بالأعمال إلى جدة في ذلك العام، ثم أنشأت بعثة دبلوماسية في جدة عام 1932، فيما ارتفع التمثيل السعودي إلى مستوى السفارة في باريس عام 1939.

ومن منظور الباحث والمؤرخ، لا تُقرأ هذه التواريخ كأرقام متجاورة؛ فالوثيقة الأولى تقول شيئًا عن بدايات التواصل والاعتراف، بينما تقول العلاقة بعد قرن شيئًا أكبر عن مسار الدولة التي استطاعت أن تحول الاعتراف إلى شراكة، والتواصل إلى مصالح، والمصالح إلى إطار إستراتيجي. وهذه هي قيمة الاحتفاء بالمئوية. فالمئوية ليست احتفالًا بالزمن بقدر ما هي احتفال بما صنعه الزمن.

بين 1926 و2026 تغير العالم مرات عديدة، وتبدلت خرائط الاقتصاد والسياسة، بينما واصلت المملكة بناء مكانتها وتوسيع شبكة علاقاتها.

واليوم، تأتي العلاقة مع فرنسا في صورة مجلس شراكة إستراتيجية، ومصالح اقتصادية وثقافية ودفاعية وتقنية واسعة، بعد أن كانت في بداياتها علاقةً دبلوماسية بين دولتين تتعرفان إلى بعضهما بعضًا. وهنا يصبح التاريخ شاهدًا لا زينة.

وإذا كان تاريخ المملكة قد قام على تراكم البناء، فإن عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- جاء ليحمل هذا الإرث إلى مرحلة جديدة، ويضع مع رؤية السعودية 2030 أسس تحول واسع، تولى الأمير محمد بن سلمان دفعه إلى آفاق اقتصادية وسياسية ودولية غير مسبوقة.

فالمرحلة الراهنة لا تُقرأ باعتبارها منفصلة عن تاريخ الدولة، لكنها في الوقت نفسه تستحق أن تُقرأ بإنجازها الخاص، وبالتحولات التي صنعتها، وبالنتائج التي أصبحت واضحة في موقع المملكة إقليميًا ودوليًا.

وفي قلب هذه المرحلة يقف الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، قائدًا لمشروع التحول، ودافعًا برؤية 2030 من إطار تنموي إلى مشروع أوسع يعيد صياغة أدوات القوة السعودية.

محمد بن سلمان.. حين تتحول الرؤية إلى قوة حضور

مشروع الأمير محمد بن سلمان لم يتعامل مع رؤية 2030 باعتبارها برنامجًا اقتصاديًا لتغيير مصادر الدخل فقط، بل باعتبارها مشروعًا لإعادة اكتشاف عناصر القوة السعودية وتوظيفها.

والتقنية والذكاء الاصطناعي أصبحا مجالين للمنافسة الدولية.

والطاقة أصبحت جزءًا من أمن الاقتصاد العالمي.

والموقع الجغرافي تحول إلى فرصة لوجستية وتجارية.

وهكذا أصبحت التنمية نفسها جزءًا من الحضور الدولي.

وهذه إحدى أكثر النقاط أهمية في قراءة المرحلة الحالية: أن قوة الاقتصاد لم تعد منفصلة عن قوة الدولة، وأن التنمية لم تعد بعيدة عن الدبلوماسية، وأن الانفتاح على العالم أصبح يسير بالتوازي مع حماية المصالح الوطنية. ولهذا تبدو الشراكة الفرنسية اليوم أوسع بكثير من علاقة تجارية تقليدية.

فالتعاون بين البلدين يمتد إلى الدفاع والأمن والطاقة والاستثمار والنقل والصحة والتقنية والثقافة والتراث، فيما تشير البيانات المتداولة إلى وجود مئات الشركات الفرنسية العاملة أو المستثمرة في المملكة.

إنها صورة المملكة التي أرادت رؤية 2030 أن تقدمها للعالم: دولة لا تكتفي باستقبال الشراكات، وإنما تصنع بيئتها وتحدد مجالاتها وتبحث عن القيمة التي تضيفها إلى اقتصادها ومستقبلها.

مجلس الشراكة.. حين تتحول الثقة إلى مؤسسة

ومن أهم ما يميز المسار السعودي الفرنسي أن العلاقة لم تبقَ رهينة الزيارات والمناسبات.

ففي ديسمبر 2024 شهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مراسم توقيع مذكرة تفاهم بشأن تشكيل مجلس الشراكة الإستراتيجية بين المملكة وفرنسا، بما وفر للعلاقة إطارًا مؤسسيًا لمتابعة الملفات المشتركة.

وهذا التفصيل مهم في القراءة السياسية.فالعلاقات القوية لا تقاس بكثرة الصور، وإنما بقدرتها على إنتاج مؤسسات مستمرة.

والمؤسسة هنا تعني أن التفاهم السياسي يمكن أن يتحول إلى برامج، وأن الرغبة في التعاون يمكن أن تتحول إلى مشروعات، وأن الملفات المتعددة يمكن أن تجد مسارًا منتظمًا للمتابعة.

وهكذا يصبح مجلس الشراكة أكثر من عنوان دبلوماسي.

فرنسا ليست دولةً عابرة في الحسابات الدولية.

هي قوة أوروبية رئيسة، وعضو دائم في مجلس الأمن، وتمتلك خبرة واسعة في قطاعات الدفاع والطاقة والنقل والثقافة والصناعة والتقنية.

والمملكة، من جهتها، تدخل هذه الشراكة اليوم من موقع مختلف عما كانت عليه في العقود الأولى للعلاقة.

فهي دولة ذات ثقل اقتصادي واستثماري عالمي، ودور سياسي متنامٍ، وموقع محوري في أمن الطاقة والتجارة الدولية، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية.

ولهذا فإن لقاء الرياض وباريس لا يخص البلدين وحدهما. فالأمن الإقليمي، وحرية الملاحة، والطاقة، والاستثمار، والأزمات السياسية، كلها ملفات يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا.

أنها تبني علاقاتها مع القوى الكبرى من موقع الشراكة والمصالح المتبادلة، لا من موقع التبعية أو الارتهان.

القوة السعودية.. حين يصبح الردع حارسًا للدبلوماسية

وفي منطقة عرفت خلال عام 2026 تصعيدًا بالغ الخطورة واعتداءات إيرانية طالت المملكة ودولًا خليجية، برزت حقيقة أخرى في التجربة السعودية: أن المملكة تمتلك أدوات القوة التي تمكنها من حماية أمنها، لكنها في الوقت نفسه لا تجعل من القوة طريقًا وحيدًا لإدارة الأزمات.

القوة الحقيقية أن تملك خيارات متعددة، وأن تعرف متى تستخدم كل خيار.

المملكة تحمي سيادتها وأمنها، وتنسق مع أشقائها، وتدافع عن مصالحها، لكنها في الوقت ذاته تفتح أبواب الدبلوماسية وتدفع نحو خفض التصعيد والحلول السياسية.

ومن هنا تكمن قوة الموقف السعودي: المملكة لا تختار الاستقرار لأنها عاجزة عن المواجهة؛ بل لأنها تملك القوة التي تجعل اختيار الاستقرار قرارًا سياديًا.