السعودية.. حين تتحول السكك الحديدية من طريق للنقل إلى شبكة تصنع الاقتصاد والمستقبل – سعدون مطلق  السوارج

ليست قيمة القطار في المسافة التي يقطعها فقط، بل في الاقتصاد الذي يتحرك على جانبي سكته، والمدن التي يقرّبها، والموانئ والمناجم والمصانع التي يصل بينها، والوقت الذي يعيده إلى الإنسان، والقدرة التي يمنحها للدولة على تحويل الجغرافيا الواسعة من تحدٍ للنقل إلى مصدر للقوة الاقتصادية.

من هذه الزاوية تحديدًا، ينبغي قراءة ما خرجت به الخطوط الحديدية السعودية «سار» من المعرض الدولي لتقنيات النقل «إنوترانس 2026» في برلين. فالعقود التي شملت قطارات ركاب جديدة، وقاطرات وعربات للشحن، وتحديث الأنظمة والصيانة ونقل التقنية وتوطين بعض المكونات، لا تمثل مجرد توسعة لأسطول قائم، وإنما تكشف مرحلة أكثر تقدمًا في بناء منظومة النقل السعودية في ظل رؤية السعودية 2030.

في برلين، لم تكن المملكة تبحث عن قطار فحسب؛ كانت توسّع قدرة اقتصاد كامل على الحركة

وقّعت «سار» اتفاقية لتمويل شراء عشرة قطارات ركاب جديدة من شركة «ستادلر» السويسرية، امتدادًا لعقد عام 2024 لشراء وصيانة عشرة قطارات، ليصل إجمالي المتعاقد عليه معها إلى عشرين قطارًا. وفي الشحن، تعاقدت الشركة على 33 قاطرة جديدة، وعلى 782 عربة شحن، إضافة إلى خدمات للدعم الفني والصيانة، فضلًا عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم أخرى مع شركات دولية.

لكن الرقم الأكثر دلالة ربما لا يكون 33 قاطرة ولا 782 عربة ولا عشرين قطار ركاب؛ بل الاتجاه الذي تتحرك نحوه هذه العقود. فقد امتدت المخرجات إلى نقل المعرفة وتوطين تصنيع وصيانة مكونات أنظمة المكابح وقطع الغيار داخل المملكة، بما يضع المحتوى المحلي وبناء القدرات الصناعية الوطنية في قلب عملية التوسع.

وهنا يظهر الفارق بين دولة تشتري وسيلة نقل، ودولة تبني صناعة واقتصادًا حول وسيلة النقل.

ولفهم دلالة اللحظة الراهنة، لا بد من العودة إلى البداية

في أربعينيات القرن الماضي، ومع تشكل احتياجات اقتصادية جديدة للمملكة، برزت ضرورة إيجاد وسيلة نقل تربط ميناء الدمام بالعاصمة. وفي أكتوبر 1947 بدأت أعمال إنشاء أول خط للسكك الحديدية، وفي أكتوبر 1951 افتتح المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، أول خط حديدي بين الرياض والدمام.

كانت تلك السكة إجابة عن سؤال اقتصادي في زمنها: كيف تصل الموانئ ومراكز النشاط الاقتصادي إلى الداخل؟

وبعد ثلاثة أرباع القرن، تغير حجم السؤال، لكن جوهره بقي حاضرًا: كيف تتحول جغرافية المملكة وموقعها ومواردها ومدنها وموانئها ومناجمها ومقاصدها الدينية والسياحية إلى شبكة اقتصادية ولوجستية أكثر تكاملًا؟

ومن هنا يمكن قراءة التاريخ الحديدي السعودي بوصفه تاريخًا لتطور الدولة والاقتصاد معًا. تأسست المؤسسة العامة للخطوط الحديدية عام 1966، وافتتح الميناء الجاف بالرياض عام 1981، ثم تأسست «سار» عام 2006، وبدأ نقل المعادن عبر قطار الشمال عام 2011، وانطلقت خدمات الركاب على قطار الشمال عام 2017، ثم افتتح قطار الحرمين السريع عام 2018، قبل أن تتوحد مسؤوليات القطاع بصورة أكبر تحت مظلة «سار».

هذه ليست محطات منفصلة؛ إنها طبقات متراكمة من مشروع وطني طويل.. ولعل قطارات المعادن تقدم واحدًا من أوضح الأمثلة على العلاقة بين السكة والاقتصاد الحقيقي. فحين تتحرك خامات البوكسايت والفوسفات بكميات ضخمة من مناطق الإنتاج إلى مراكز التصنيع والتصدير، فإن القطار لا ينقل حمولة فحسب، وإنما يختصر حلقة كاملة في سلسلة القيمة الصناعية.

ولهذا اكتسب الشحن الحديدي وزنه الإستراتيجي مع توسع قطاعات التعدين والصناعة والخدمات اللوجستية.

وتكشف أرقام عام 2025 حجم التحول؛ فقد نقلت «سار» أكثر من 30 مليون طن من البضائع والمعادن، إلى جانب أكثر من 14 مليون مسافر. وأسهم نقل البضائع بالسكك الحديدية في الاستغناء عن نحو مليوني رحلة شاحنة على الطرق، وتوفير قرابة 139 مليون لتر من الوقود، وخفض الانبعاثات الكربونية بنحو 364 ألف طن.

هذه الأرقام تقول شيئًا يتجاوز الأداء التشغيلي: كل طن ينتقل بكفاءة أكبر بين المنجم والمصنع والميناء، وكل رحلة شاحنة ثقيلة يجري الاستغناء عنها حيث يكون النقل الحديدي أكثر كفاءة، تعني أثرًا يمتد إلى الطرق والطاقة والبيئة وسلاسل الإمداد وتنافسية الاقتصاد.

وبموازاة قطارات الشحن، يقدم قطار الحرمين السريع صورة أخرى للسكة السعودية الحديثة.. فبسرعة تشغيلية تصل إلى 300 كيلومتر في الساعة، يربط القطار مكة المكرمة والمدينة المنورة مرورًا بمحطات رئيسة في جدة ومطار الملك عبدالعزيز الدولي ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية. وتضم منظومته التشغيلية 35 قطارًا، بسعة تصل إلى 417 مقعدًا للقطار الواحد، فيما يختصر زمن الرحلة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى نحو ساعتين و15 دقيقة.

وهنا تصبح السكك الحديدية جزءًا من خدمة ضيوف الرحمن، ومن إدارة الحركة بين المدن، ومن جودة التجربة التي تقدمها المملكة للقادم إليها.

والبعد نفسه يمتد إلى السياحة؛ فالقطار في الدولة التي تتوسع خريطتها السياحية ليس مجرد بديل للطائرة أو السيارة، بل وسيلة لإعادة تعريف المسافة نفسها؛ فما كان بعيدًا بالساعات يصبح أقرب، وما كان محطة منفردة يمكن أن يصبح جزءًا من مسار سياحي واقتصادي متكامل.

ولعل الاعتراف الدولي يقدم شاهدًا مهمًا هنا. ففي عام 2025 أصبحت «سار» أول شركة خطوط حديدية في العالم تفوز بجائزة فئة القطارات السياحية للمسافات الطويلة من الاتحاد الدولي للسكك الحديدية، في دلالة على أن التطور لم يعد يقاس داخليًا فقط، بل بات يجد صداه في مؤسسات القطاع عالميًا.

وتزداد دلالة ذلك مع دخول مفهوم السياحة بالقطار إلى مرحلة جديدة، بما يجعل السكة جزءًا من التجربة السياحية ذاتها، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

أما في البعد الخليجي، فإن الصورة تصبح أوسع.

فمشروع سكة حديد دول مجلس التعاون، الذي يبلغ طوله 2,117 كيلومترًا، يستهدف التشغيل الكامل في ديسمبر 2030، بسرعة تصل إلى 200 كيلومتر في الساعة لقطارات الركاب، وبين 80 و120 كيلومترًا في الساعة لقطارات الشحن.

وهنا تكتسب المملكة أهمية جغرافية ولوجستية واضحة داخل المشروع؛ فموقعها واتساع شبكتها واتصالها البري بعدد من دول المجلس يجعل تطوير بنيتها الوطنية جزءًا مهمًا من اكتمال منظومة الربط الإقليمية.

الغاية أبعد من عبور قطار من دولة إلى أخرى

إنها سوق خليجية تصبح فيها حركة الإنسان والبضاعة أكثر انسيابًا، وسلاسل الإمداد أكثر ترابطًا، وخيارات المستثمر والسائح والمواطن والمقيم أكثر اتساعًا. فالهيئة الخليجية للسكك الحديدية تتعامل مع المشروع باعتباره خطًا إقليميًا واحدًا متكاملًا وقابلًا للتشغيل البيني، ومتصلًا بالشبكات الوطنية لدول المجلس.

وهذا هو المعنى الأعمق للربط: أن تتحول المسافات بين الاقتصادات الخليجية من مسافات جغرافية إلى مسارات للتكامل الاقتصادي.

لقد بدأت السكة السعودية قبل خمسة وسبعين عامًا لتربط الرياض بالدمام، أما سكة المستقبل فتتجه إلى ربط الميناء بالمنجم، والمنطقة الصناعية بالسوق، والمطار بالمدينة، والمقاصد الدينية بالعالم، والمملكة بمحيطها الخليجي، والاقتصاد الوطني بسلاسل التجارة الدولية.

وهذا التحول لم يأت منفصلًا عن مشروع الدولة الأشمل.