السخرية.. مرآة صاحبها – هيا  الدوسري

ما وجدت أكثر الناس سخرية بالناس إلا كان أنقصهم مكانة، فحين يعجز الإنسان عن مجاراة الناجحين، يبحث عن صغائر الأمور ليبدأ بالتندر والضحك، وكأن التقليل من الآخرين يرفعه، وهو في الحقيقة لا يفعل سوى أن يكشف عن طريقته في التفكير.

ومن دلائل العقليات غير الناضجة أنها ترى نفسها كاملة، فتجعل من التفاصيل الصغيرة مقياسًا للحكم على الناس. فقد يرى أحدهم في ارتداء النظارة الطبية ابتعادًا عن الأناقة، أو دليلًا على التقدم في العمر، بينما يراها الإنسان الناضج دليلًا على الوعي، أو ضرورة صحية، أو وسيلة تعينه على القراءة والعلم. فكل إنسان يرى الأشياء من منظوره، ومن الزاوية التي يقف فيها.

وترى هذا النوع من الناس يدقق في ظاهر الأشياء، ويترك عمقها، ويهتم بالقشور والتوافه، بينما يغفل عن جوهر الإنسان، وعن أخلاقه، وعلمه، وإنجازاته. ولذلك لا تستغرب أن تكون اهتماماته في الغالب سطحية، لأنه اعتاد أن يقيس الناس بما تقع عليه عينه، لا بما يحملونه في عقولهم وقلوبهم.

وتجده شديد التحفظ على مظهره الخارجي، بعيدًا عن العفوية، يخشى النقد أو لفت أنظار الآخرين. فالمرأة من هذا النوع قد لا تسمح لشعرة بيضاء أن تظهر، وقد لا تخرج دون مكياج، لا لأن الاهتمام بالمظهر خطأ، وإنما لأنها أصبحت أسيرة لنظرة الناس إليها.

وقد لاحظت أن هناك علاقة وثيقة بين الارتقاء الفكري والعفوية؛ فكلما كان الإنسان أكثر نضجًا ووعيًا، كان أكثر بساطة في تعامله، وأقل انشغالًا بالمظاهر. فهو يدرك أن قيمة الإنسان لا تختزل في شكله، وإنما فيما يحمله من خلق، وعلم، وعمل.

وصحيح أن الله جميل يحب الجمال، وأن الاهتمام بالمظهر أمر محمود، فهو أول ما تقع عليه العين، ويعطي انطباعًا أوليًا عن صاحبه، ولكن أن يصبح المظهر هو كل شيء، وننسى جوهر الإنسان، فهنا تكمن المشكلة. والأجمل من ذلك أن نهتم بالمظهر والجوهر معًا، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

أما من يجعل المظهر هو ما يبني عليه انطباعاته وتوقعاته، ويجعله مرآة يرى الناس من خلالها فقط، فهذا عمى في الرؤية والبصيرة.

وأرى أن السخرية كثيرًا ما تكون ملاذًا لمن لم يحقق ما كان يطمح إليه، فيحاول أن يقلل من شأن المجتهدين والناجحين بدلًا من أن ينافسهم. فهو لا يرى في نجاح الآخرين دافعًا للاجتهاد، بل سببًا يدفعه إلى الانتقاص منهم، لأن هدم الصورة أسهل من بناء الذات.

ولهذا تجد الساخر يستخف باجتهاد الآخرين، ويبحث عن عيوبهم أكثر مما يبحث عن فضائلهم، ويظن أن السخرية تمنحه مكانة، بينما هي في الحقيقة لا تكشف إلا عن ضيق أفقه، وعجزه عن رؤية القيمة الحقيقية للإنسان.

وليست كل سخرية مذمومة؛ فهناك سخرية تكشف التناقض وتنتقد الفكرة، وهذه قد تكون وسيلة أدبية للإصلاح. أما السخرية التي تجعل من الناس مادة للضحك بسبب أشكالهم أو ظروفهم أو عيوبهم، فهي ليست ذكاءً ولا خفة ظل، بل انتقاص من كرامة الإنسان.

ولكن... ما الذي يدفع بعض الناس إلى السخرية من الآخرين؟

قد تكون السخرية محاولة لإخفاء شعور بالنقص أو عدم الرضا عن النفس.

وقد تكون وسيلة للتقليل من نجاح الآخرين عندما يعجز الإنسان عن منافستهم..

فالإنسان لا يرتفع بالسخرية من غيره، ولا يكبر بالانتقاص من الناس، وإنما يسمو بعلمه، وأخلاقه، واحترامه للآخرين.

وقد تنشأ من تربية اعتادت الاستهزاء بالناس حتى أصبح السلوك أمرًا مألوفًا. وقد تكون رغبة في لفت الانتباه وإضحاك الآخرين ولو كان الثمن مشاعر شخص آخر.

وقد تكون نتيجة سطحية في النظر، فيُحكم على الناس من مظاهرهم بدلًا من أخلاقهم وأعمالهم.

وقد تصدر من التعصب لفئة أو طبقة أو مظهر معين، فيُنظر إلى المختلف نظرة دونية.

وأحيانًا تكون مجرد تقليد لما يراه الإنسان في محيطه أو في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى تصبح السخرية أسلوبًا معتادًا في الحديث.

ولعل السخرية، مهما اختلفت دوافعها، تكشف عن نظرة صاحبها إلى الحياة أكثر مما تكشف عن حقيقة من يسخر منهم.

وقد نهى الله عن السخرية في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ...}

لأنها لا تؤذي الفرد فحسب، بل تهدم الاحترام بين أفراد المجتمع.

ما وجدت أكثر الناس سخرية بالناس إلا كان أنقصهم مكانة، فحين يعجز الإنسان عن مجاراة الناجحين، يبحث عن صغائر الأمور ليبدأ بالتندر والضحك، وكأن التقليل من الآخرين يرفعه، وهو في الحقيقة لا يفعل سوى أن يكشف عن طريقته في التفكير.

ومن دلائل العقليات غير الناضجة أنها ترى نفسها كاملة، فتجعل من التفاصيل الصغيرة مقياسًا للحكم على الناس. فقد يرى أحدهم في ارتداء النظارة الطبية ابتعادًا عن الأناقة، أو دليلًا على التقدم في العمر، بينما يراها الإنسان الناضج دليلًا على الوعي، أو ضرورة صحية، أو وسيلة تعينه على القراءة والعلم. فكل إنسان يرى الأشياء من منظوره، ومن الزاوية التي يقف فيها.

وترى هذا النوع من الناس يدقق في ظاهر الأشياء، ويترك عمقها، ويهتم بالقشور والتوافه، بينما يغفل عن جوهر الإنسان، وعن أخلاقه، وعلمه، وإنجازاته. ولذلك لا تستغرب أن تكون اهتماماته في الغالب سطحية، لأنه اعتاد أن يقيس الناس بما تقع عليه عينه، لا بما يحملونه في عقولهم وقلوبهم.

وتجده شديد التحفظ على مظهره الخارجي، بعيدًا عن العفوية، يخشى النقد أو لفت أنظار الآخرين. فالمرأة من هذا النوع قد لا تسمح لشعرة بيضاء أن تظهر، وقد لا تخرج دون مكياج، لا لأن الاهتمام بالمظهر خطأ، وإنما لأنها أصبحت أسيرة لنظرة الناس إليها.

وقد لاحظت أن هناك علاقة وثيقة بين الارتقاء الفكري والعفوية؛ فكلما كان الإنسان أكثر نضجًا ووعيًا، كان أكثر بساطة في تعامله، وأقل انشغالًا بالمظاهر. فهو يدرك أن قيمة الإنسان لا تختزل في شكله، وإنما فيما يحمله من خلق، وعلم، وعمل.

وصحيح أن الله جميل يحب الجمال، وأن الاهتمام بالمظهر أمر محمود، فهو أول ما تقع عليه العين، ويعطي انطباعًا أوليًا عن صاحبه، ولكن أن يصبح المظهر هو كل شيء، وننسى جوهر الإنسان، فهنا تكمن المشكلة. والأجمل من ذلك أن نهتم بالمظهر والجوهر معًا، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

أما من يجعل المظهر هو ما يبني عليه انطباعاته وتوقعاته، ويجعله مرآة يرى الناس من خلالها فقط، فهذا عمى في الرؤية والبصيرة.

وأرى أن السخرية كثيرًا ما تكون ملاذًا لمن لم يحقق ما كان يطمح إليه، فيحاول أن يقلل من شأن المجتهدين والناجحين بدلًا من أن ينافسهم. فهو لا يرى في نجاح الآخرين دافعًا للاجتهاد، بل سببًا يدفعه إلى الانتقاص منهم، لأن هدم الصورة أسهل من بناء الذات.

ولهذا تجد الساخر يستخف باجتهاد الآخرين، ويبحث عن عيوبهم أكثر مما يبحث عن فضائلهم، ويظن أن السخرية تمنحه مكانة، بينما هي في الحقيقة لا تكشف إلا عن ضيق أفقه، وعجزه عن رؤية القيمة الحقيقية للإنسان.

وليست كل سخرية مذمومة؛ فهناك سخرية تكشف التناقض وتنتقد الفكرة، وهذه قد تكون وسيلة أدبية للإصلاح. أما السخرية التي تجعل من الناس مادة للضحك بسبب أشكالهم أو ظروفهم أو عيوبهم، فهي ليست ذكاءً ولا خفة ظل، بل انتقاص من كرامة الإنسان.

ولكن... ما الذي يدفع بعض الناس إلى السخرية من الآخرين؟

قد تكون السخرية محاولة لإخفاء شعور بالنقص أو عدم الرضا عن النفس.

وقد تكون وسيلة للتقليل من نجاح الآخرين عندما يعجز الإنسان عن منافستهم..