الساعات الست الأصعب لنتنياهو… ولسردية إسرائيل “غير المسموعة”

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

ست ساعات فقط أمضاها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك، لكنها كانت كافية لتظهير حجم الضغوط التي تواجهه دولياً. زيارة خاطفة، هبوط في مطار بعيد من مانهاتن، انسحاب عشرات الوفود خلال كلمته في الأمم المتحدة، تظاهرات في الخارج، وغياب اللقاء الذي كان يريده مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

نتنياهو، الذي يخوض انتخابات إسرائيلية بعد نحو شهر، وصل إلى نيويورك فيما تواجه حكومته انتقادات دولية متزايدة بسبب الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والاتهامات المرتبطة بسلوكها العسكري والقانون الدولي. وكانت صور الوفود المغادرة قاعة الأمم المتحدة من أكثر مشاهد الزيارة دلالة، خصوصاً أن المشهد نفسه تكرر خلال خطابه في أيلول/سبتمبر 2025.

بدأت الزيارة بصورة غير مألوفة. هبطت طائرة نتنياهو في مطار "نيويورك ستيوارت الدولي"، على مسافة تقارب مئة كيلومتر من مانهاتن، بدلاً من أحد المطارات الرئيسية المحيطة بالمدينة. وجاء ذلك وسط توتر معلن بين نتنياهو ورئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، الذي سبق أن وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه "مجرم حرب"، ودعا الحكومة الفدرالية إلى تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية.

وكان ممداني قد أقرّ بعد مراجعة قانونية بأن سلطات المدينة لا تملك صلاحية تنفيذ المذكرة بنفسها، فيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن نتنياهو لن يتعرض للتوقيف داخل الولايات المتحدة. ولم يعلن مكتب نتنياهو سبب اختيار مطار ستيوارت، ما يجعل الربط المباشر بين القرار وممداني في إطار الترجيحات والتقارير الإعلامية، لا في إطار رواية رسمية مؤكدة.

ومن المطار إلى مقر الأمم المتحدة، بقيت صورة الزيارة مضغوطة إلى حد غير اعتيادي. ومع بدء نتنياهو كلمته، غادرت وفود عشرات الدول القاعة، في خطوة عبّرت عن رفض سياسي واضح لسياسات حكومته، بينما شهدت شوارع نيويورك تظاهرات معارضة له.

مغادرة الوفود الديبلوماسية خلال خطاب نتنياهو تجاوزت الاعتراض على العمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية وجنوبي لبنان وسوريا. المشهد أظهر أيضاً حجم الصعوبة التي تواجهها الرواية الإسرائيلية في إقناع قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي بتفسيرها للحروب والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وفود تغادر قاعة الأمم المتحدة مع بدء نتنياهو القاء كلمته تعبيراً عن رفضها السياسي. (ا ف ب)

نتنياهو جاء إلى المنبر للدفاع عن حصيلة إسرائيل العسكرية ومواجهة منتقديه، بينما سبقت خطابه وتزامنت معه مواقف حادة من قادة دوليين، بينهم قادة فرنسا وبريطانيا وتركيا والسعودية وقطر. وبين ما أراد نتنياهو قوله وما أظهرته القاعة، برزت فجوة باتت من أبرز مشكلاته السياسية في الخارج.

الأكثر حساسية بالنسبة إلى نتنياهو كان غياب اللقاء مع ترامب. رئيس الوزراء الإسرائيلي أراد لقاء الرئيس الأميركي خلال وجودهما في الولايات المتحدة، وظهرت قبل انعقاد الجمعية العامة محاولات إسرائيلية لترتيب اجتماع بينهما، لكن الموعد بقي خارج جدول ترامب.

غياب اللقاء لا يعني وجود أزمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا يلغي حجم العلاقات العسكرية والسياسية بينهما. دلالته السياسية تكمن في توقيته، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، وفي وقت كان نتنياهو قادراً على استخدام صورة اللقاء مع ترامب داخلياً لإظهار استمرار قربه من البيت الأبيض.

والزيارة لم تكن خالية من اللقاءات الديبلوماسية كما قد توحي مدتها القصيرة. أعلن مكتب نتنياهو اجتماعات مع رؤساء الأرجنتين وبوليفيا وباراغواي وبنما وإثيوبيا، إضافة إلى نائب رئيس كولومبيا ورؤساء وزراء اليونان وسلوفينيا وبابوا غينيا الجديدة. لكن غياب الرئيس الأميركي بقي الأكثر ثقلاً قياساً بزيارات نتنياهو السابقة إلى الولايات المتحدة.

ما جرى في نيويورك يأتي ضمن تحول أوسع لا يقتصر على مشاهد الجمعية العامة. دول غربية كانت من أبرز الداعمين لإسرائيل بدأت تتخذ خطوات أشد تجاه سياسات الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية، فيما أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى تحركات لفرض قيود على التجارة مع المستوطنات.

رجل بزي يهودي يتظاهر ضد نتنياهو في نيويورك بالتزامن مع حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي قمة الأمم المتحدة. (أ ف ب)

كذلك، تحولت التظاهرات الشبابية والجامعية في أوروبا والولايات المتحدة إلى عنصر حاضر في الحسابات السياسية الداخلية، فيما باتت العلاقة مع إسرائيل موضوعاً أكثر انقساماً داخل المجتمعات الغربية وفي الأحزاب نفسها. ولم يعد الدعم المطلق للحكومة الإسرائيلية بلا كلفة انتخابية لدى قطاعات من الناخبين، خصوصاً مع استمرار الحروب وارتفاع كلفتها الإنسانية والاقتصادية.

هذا التحول لا يعني أن إسرائيل خسرت دعمها الغربي. ما زالت تتمتع بتحالف استراتيجي عميق مع الولايات المتحدة وبشبكة واسعة من العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية، كما تحظى بتأييد قوي لدى شرائح سياسية واجتماعية مؤثرة في الغرب. لكنه يعني أن هامش الحركة الذي تمتعت به حكومات إسرائيل طويلاً بات أضيق، وأن الدفاع عن سياسات نتنياهو صار أصعب أمام جزء متزايد من الرأي العام.

ست ساعات نتنياهو في نيويورك اختصرت هذه المفارقة. إسرائيل خرجت خلال السنوات الثلاث الماضية من مواجهات عسكرية عدة وهي تعرض ما تعتبره إنجازات استراتيجية واسعة، فيما وجد رئيس حكومتها نفسه أمام قاعة تغادرها عشرات الوفود، ومدينة تستقبله بالتظاهرات، وزيارة أميركية يغيب عنها اللقاء الذي كان الأكثر أهمية له. القوة العسكرية بقيت حاضرة، أما المعركة على الصورة والسردية فبدت أكثر تعقيداً.