الزيدي في سوريا: التعاون الشائك

بغداد | تفتح زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى دمشق باباً واسعاً للتساؤل حول حدود الانفتاح العراقي على سوريا، وعن المصالح التي تسعى بغداد إلى تحقيقها من وراء ذلك في مرحلة إقليمية مضطربة. فبينما تقدّم الحكومة الزيارة بوصفها خطوة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والأمني، تتقدّم الأسئلة المتعلّقة بضمانات هذا التعاون وآليات تنفيذه، خصوصاً في ظلّ استمرار المخاوف العراقية من الجماعات المسلّحة وشبكات التهريب، فضلاً عن غياب مؤشرات واضحة على عائد اقتصادي مباشر. والزيارة، التي تُعد الأولى لرئيس حكومة عراقي إلى دمشق منذ سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، تأتي بعد محطّة أردنية للزيدي، وفي سياق تحركات حكومية لتوسيع العلاقات مع دول الجوار.ويرى مدير مركز «الغد» للدراسات الاستراتيجية، علي عبد الرزاق، في تصريح إلى «الأخبار»، أن الانفتاح السياسي المتسارع ينطوي على «مجازفة استراتيجية غير محسوبة المخاطر على الأمن القومي العراقي». ويحذر من بناء شراكات مع أطراف وشخصيات ترتبط بأجندات متطرّفة ونفوذ استخباري إقليمي، ولا سيما النفوذ التركي، معتبراً أن الزيارات قد تمنح غطاء سياسياً لجهات لم تُحسم الأسئلة المتعلّقة بماضيها وأدوارها الإقليمية. ويذهب عبد الرزاق إلى أن الأولوية ينبغي أن تكون لفرض شروط أمنية صارمة وضمان حماية الحدود من ارتدادات نشاط التنظيمات المسلّحة، بدلاً من تقديم البروتوكول الدبلوماسي على اعتبارات السيادة.وفي الاتجاه نفسه، يعتقد الباحث في الشأن السياسي، يونس علوان، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الزيارة تفتقر إلى العمق الاستراتيجي، وأن بغداد لا تزال تميل إلى إدارة الأزمات عبر الدبلوماسية، بدلاً من بناء منظومة متكاملة للأمن القومي». ويشير إلى أن «ضبط الحدود ومكافحة التهريب ومعالجة الوجود غير الرسمي على الشريط الحدودي، لا تتحقّق بمذكرات تفاهم عامة، بل بآليات ميدانية واضحة، وتبادل معلومات، ومسؤوليات محددة يمكن تقييم نتائجها». ويحذّر علوان من أن «محاولة أداء دور الوسيط أو الضامن في ملفات إقليمية معقّدة، من دون توافق داخلي ورؤية سيادية موحّدة، قد تضع العراق أمام استحقاقات تفوق قدرته التفاوضية». ويضيف أن «توقيت الزيارة قد يثير تأويلات بشأن تموضع بغداد إقليمياً، في وقت تحتاج فيه إلى الحفاظ على هامش حركة متوازن، لا إلى الدخول في اصطفافات غير محسوبة».

ضبط الحدود ومكافحة التهريب ومعالجة الوجود غير الرسمي على الشريط الحدودي، أمور لا تتحقّق بمذكرات تفاهم عامة

ويأتي ذلك في ظلّ استمرار خطر تنظيم «داعش» الإرهابي، والذي لم يخفّف من وقع المخاوف منه تأكيد الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، في مقابلة تلفزيونية سبقت الزيارة، تراجع التهديدات ووجود تنسيق أمني بين البلدَين. ولا يبدو إلى الآن أن التطمينات السورية تغني عن التحقّق من مستوى الجاهزية الفعلية، أو تحسم وحدها طبيعة الترتيبات المطلوبة لمنع تسلّل المسلحين أو تنشيط شبكات التهريب التي انبعثت مؤخراً. اقتصادياً، تبرز إعادة إحياء خطّ أنابيب النفط بين كركوك وحديثة وبانياس بوصفها أحد أبرز الملفات المطروحة. وأكد الشرع وجود مباحثات بشأن الخطّ، الذي يمكن أن يمنح العراق منفذاً إضافياً إلى البحر المتوسط، ويقلّل جزئياً من الاعتماد على مسارات التصدير المعرّضة للاضطرابات في الخليج ومضيق هرمز. غير أن أهمية الفكرة لا تعني أن المشروع بات قابلاً للتنفيذ أو أن عوائده مضمونة؛ إذ يتطلّب ذلك تقييماً فنياً ومالياً، وضمانات أمنية، وتحديد كلفة إعادة التأهيل، وشروط التشغيل والتصدير.وفي هذا الإطار، يرى علوان أن «مذكرات التفاهم الاقتصادية تظلّ محدودة الجدوى ما لم تتضمّن جداول زمنية وآليات تنفيذ وضمانات مالية واضحة»، محذّراً من «تحوّل الاتفاقات إلى عناوين إعلامية لا تنعكس على الموازنة أو فرص العمل، في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً مالية واختلالات بنيوية بسبب اعتماده الكبير على الإيرادات النفطية». في المقابل، يدافع مستشار اتحاد الغرف التجارية في بغداد، عقيل المحمداوي، عن جولة الزيدي الإقليمية، معتبراً أنها تمثّل دبلوماسية اقتصادية وسياسية متوازنة، ويمكن أن تدعم تنويع منافذ تصدير النفط، وتوسيع الشراكات الاستثمارية، فضلاً عن دفع مشروع طريق التنمية. لكن هذا التفاؤل يظلّ رهناً بترجمة التوجهات إلى عقود نافذة ومشاريع محدّدة، لا بمجرّد توسيع جدول الزيارات.